القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
اوراق بحثية > فلسفة التاريخ بين ابن خلدون و(فيكو)

فلسفة التاريخ بين ابن خلدون و(فيكو)

بروفيسور/ زكريا بشير إمام
رئيس لجنة الدراسات الإنسانية
بالمجلس القومي للتعليم العالي بالسودان
مدير جامعة جوبا سابقاً



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستهد به ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين.
مقدمة عامة
فهذا تصنيف عن التاريخ ومقاصد التاريخ، وعلومه ومقاصده ودلالاته في مسيرة الأمم، نشأتها وطبيعتها، وازدهارها ونضجها، ثم من بعد ذلك تدرجها في دركات الضعف والانحلال، ثم الانهيار والزوال، وبين الازدهار والانهيار، تكون أي حضارة حافلة بمآثر وإنجازات ومفاخر وإبداعات، ومصانع وآثار وأفكار، وعلوم وفنون، وتراث تتفاوت أقداره من مرحلة إلى أخرى.
ولكل حضارة في التاريخ، وكل أمة من الأمم العظيمة شخصيتها المميزة، ولها خصائصها ومفاخرها ومآثرها. أهم من ذلك كله لها روحها المميزة لها، ليس فقط في الأعمال العظيمة والفتوحات الكبيرة، لكن فيما تميزت به من علوم وفنون وعقائد وفلسفات ومذاهب وأفكار، وكذلك ما أنتجت من رجال عظام : فلاسفة ومصلحين وفنانين، ومبدعين في كل ضروب الحياة ومآلاتها.. وبعد ذلك كله تقاس عظمة الحضارات بما خلفت بعدها من مصانع وآثار عظيمة وميراث في الأدب واللغات، وفي الفكر والعلوم والآداب.
قال تعالى في شأن الحضارة الفرعونية (المصرية القديمة):
{وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ{24} كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ{25} وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ{26} وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ{27} كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ{28} فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ{29}. (الدخان).



وقال تعالى في أخبار حضارات جنوب الجزيرة العربية، وشمالها، وفي مآلات أممها عندما كذبوا الرسل وعصوا عن أمر ربهم وظلموا أنفسهم:
{فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ{45} أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج) الآية {46}
وقال تعالى في حق حضارة عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد:
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ{128} وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ{129} وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ{130} (الشعراء – 128 - 130).
والمصانع هي الآثار والصروح والمباني الضخمة والقصور.
التاريخ ومفهومه عند ابن خلدون
لغة: التاريخ هو تسجيل الأحداث والوقائع بأوصافها وأزمنتها وأوقاتها، وهو رواية الوقائع والأحداث التي وقعتت في الماضي أو في أوقات مضت وانصرمت.
اصطلاحاً: هو ذلك الفرع من المعرفة الذي يسعى لتوثيق الأحداث والوقائع، وسير الملوك والأبطال والعظماء، وكذلك تسجيل أوصاف وأحوالِ الأزمنة والأحداث العظيمة التي وقعت فيما مضى من أزمان ومن وجهة نظر حديثة، فالتاريخ هو سجل الأمم والشعوب، أحداثها العظمى ووقائعها الكبرى، وما أنجزت من أعمال كبار وعلوم وحضارة، أكثر مما هو تاريخ لأفراد كبار أو للملوك أو الأبطال وكبار الفلاسفة والمفكرين وقادة الأمم.
ويختلف الفلاسفة والعلماء في تعريف طبيعة التاريخ ونوع المعارف والعلوم التي يعنى بها المؤرخون:
- البعض يرى أن التاريخ هو الوقائع العظمى والأحداث الكبيرة التي حدثت في الماضي، وتركت آثاراً عظيمة صبغت الأحداث بعدها، وأدت إلى بروز تداعيات عظيمة ونتائج كبيرة نتيجة لوقوعها.
- والبعض يقول إنه التوثيق لسير النبلاء والملوك وكبار الفلاسفة المصحلين، وما جاءوا به من أفكار عظيمة , أدت إلى تغيرات اجتماعية وسياسية، أو اقتصادية وقانونية عظيمة ، كان لها الأثر الأكبر في تشكيل حياة الناس، وتشكيل مجتمعاتهم وآرائهم ومعتقداتهم، وكذلك عاداتهم.
- وفي إطار حديث، ومنذ النهضة الأوروبية من القرن الخامس عشر الميلادي، وما بعده، برزت آراء ابن خلدون في مقدمته المشهورة ، وترجمت أجزاء من "المقدمة" منذ القرن السادس عشر إلى اللاتينية والعبرية.
لقد جاء ابن خلدون بمفهوم جديد ومركب للتاريخ، فقال إن التاريخ ليس هو تسجيل الأحداث والوقائع الكبرى وتداعياتها، فهذا ظاهر التاريخ، ولكن للتاريخ معاني ودلالات باطنية عميقة هي ما أطلق عليها (باطن التاريخ).
وباطن التاريخ عند ابن خلدون يقصد به العلاقات السببية بين الأحداث والوقائع والعلاقات العامة التي ترقى إلى مرتبة القوانين والسنن التي تحكم مسيرة الحضارة، وقيام المجتمعات والدول، وأسباب قيامها وتكوينها في البداية، ثم أسباب تطورها وازدهارها، حتى تبلغ مرحلة الهرم والشيخوخة، ثم أسباب أفولها بعد ذلك، وأسباب انهيارها النهائي وزوالها.
إذن فالتاريخ الظاهر هو تتابع الأحداث والوقائع الكبيرة وتطورها في عقود وحقب وعصور وقرون.
وله باطن هو: نظر وتحقيق وتعليل دقيق للكائنات ومبادئها، وهو علم عميق بكيفيات الوقائع وأسبابها، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق.
وهكذا أصبح للتاريخ حكمة عريقة، أي فلسفة، بمعنى أن دراسة التاريخ لا تكتفي بتسجيل الوقائع والأحداث، لكنها تنفذ إلى باطنها وإلى أسباب وقوعها وتتابعها بالصورة التي وقعت بها، وتطورت إليها في أنساق بعينها، وليس في أنساق سواها، فهو لذلك معرفة بباطن الأمور وبالعلاقات الخفية وراء الأحداث الظاهرة، وهكذا فإن الإلمام بتلك الصلات الباطنة والعلل الخفية وراء الأحداث والوقائع، مما يعين على فهم مظاهر التاريخ وأحداثه والتتابع الزمني بينها.
-وكل ذلك قاد علماء التاريخ إلى استخدام تلك الحقائق الخفية وراء الأحداث، وإلى نقد نظريات التاريخ الظاهرة التي تتحدث عن طبيعة الحدث التاريخي، وطبيعته الظاهرة الطبيعية، سواء كانت تلك النظريات تتعلق بحجم الظاهرة أو ضخامة الحدث، كالكلام عن حجم الجيوش المتقاتلة وأعدادها، وهل تلك الأعداد تتناسب مع ظروف الأقاليم والبيئة التي تنسب إليها، وإذا قيل مثلاً أن عددها أكثر من خمسمائة ألف جندي في أقاليم صحراوية فقيرة قليلة الطعام، قليلة الإمدادات والمياه، ضيقة الطرق والممرات، فإن استخدام الحقائق المتعلقة بالأسباب والعلل والوسائل تجعلنا نميل إلى اعتبار تلك الأرقام أرقاماً مبالغاً فيها، ولا يمكن أن تكون صحيحة، كمعرفتنا بأن تلك الجيوش تحتاج إلى إمكانيات بشرية وتموينية غير ممكنة عقلاً، ويستحيل توفيرها في مثل تلك البقاع والبيئات والأوطان، وكذلك يستحيل توفير الأموال والطعام والشراب ووسائل النقل والمواصلات لمثل تلك الأعداد الهائلة، فإذا قيل أن القتلى من الجانبين بلغ مثلاًً أكثر من مائتي ألف قتيل لم يصدق ذلك عقلاً وتحليلاً.
- منذ ظهور نظريات ابن خلدون عن طبيعة التاريخ، أصبح من الضروري استخدام المناهج العقلية المنطقية في فهم وتقويم الظواهر والأحداث والوقائع، لأن هذا يؤدي إلى نسبتها إلى طبائع الأشياء، وإلى عوائد البشر وطبيعة العمران الإنساني، وما يمكن أن يكون أو لا يكون.
وصار التاريخ علماً يتناول العمران البشري عموماً، وتاريخ الأمم والشعوب، وأسباب قيام الجماعات والدول والحضارات، وأسباب ازدهارها وفتوتها وعنفوانها في بداية الأمر، وعندما يكون بأسها وبأس رجالها وقوتها في أوجها، ويكون ذلك الناس قائماً على العصبية الطبيعية بين الأقوام التي يدركها الوهن والضعف فى عصور تالية الضعف الناجم عن الترف والفساد، وضعف الارتباط العصبوي بين الأفراد والجماعات، وقيادات أولئك الأفراد والجماعات، ففي عصر النشأة والعنفوان والخشونة الأولى، حيث تكون الروابط الرحمية العصبية قوية جداً، وأقرب إلى المسائل الروحية في الترابط والتناصر والأخوة تكون الدولة فى أوج قوتها وعنفوانها. ومن هنا أعد ابن خلدون قاعدة الولاء والتناصر الرحمي الأخوي، وقاعدة العصبية الأثنوية الرحمية العامل الأساس والعنصر الرئيس في تكوين الدول والحضارات ونشأتها، وكلما كانت الروح القومية تتمثل تلك العلاقات وتملكها، كانت قادرة على تكوين ممالكٍ قوية ودولٍ ذات شوكة وبأس شديد وبطش جبار ، وعندها يكون القوم أولي بأس شديد، يمكنهم الغلبة والظهور على أعدائهم، وعلى قهرهم وتمزيقهم، ومن ثم إقامة دولة على رفعة من الأرض بشمل أرضهم وربعهم الأصيل، إضافة إلى أراضِ وربوع الأقوام الذين هزموهم.
وهكذا أصبح التاريخ علماً يتعلق بحركة الشعوب والأمم، وبتدافع الدول والحضارات، لا مجرد تاريخ الأفراد العظام وسير الملوك أو الأبطال فحسب؛ بل يتعلق أكثر بحركة الأقوام والشعوب والأمم في علاقاتها الجدلية ببعضها البعض، بموازين القوى السياسية والإستراتيجية فيما بينها، ونتائج كل ذلك على حركة العمران البشري والاجتماع الإنساني وعلى حركة قيام الدول وكل تلك الامور تحكمها قوانين سببية خفية غير ظاهرة للعيان .
هل التاريخ علم كسائر علوم الطبيعة أم أنه أقرب إلى الأدب والفن؟ وهل له صبغة خاصة به تقربه من المعارف الإنسانية؟
لقد امتد الجدل حول طبيعة التاريخ إلى انقسام الفلاسفة والعلماء والمؤرخين أنفسهم إلى طائفتين كبيرتين:
(1) الطائفة المادية أو الوضعية أو التجريبية:
وهي التي تنظر إلى التاريخ على أنه علم كسائر العلوم الطبيعية، فالتاريخ هو السجل الذي تدون فيه أحداث القرون الماضية، والوقائع الكبيرة والأخبار والقصص الماضية، كما أنه ما خلفته الأقوام البائدة والحضارات السالفة من آثار ومصانع وما أبقت عليه الأيام من وثائق وسجلات وقصص وروايات، وكتب وأشعار وأغاني وما إلى ذلك.
وهنالك التاريخ الشفوي والحكايات، وهو ما تتناقل روايته الأجيال، وما تحفظه الذاكرة الجماعية للشعوب من قصص وحكايات تروى من جيل إلى جيل. وهناك أيضاً الأسانيد، وهي ما تسلسل رواته عبر الأجيال والقرون الماضية.
والتاريخ سواء كان مسجلاً يعتمد على الوثائق والأسانيد والروايات الموثقة والمؤكدة، أو كان يتناقل شفاهة عبر الأجيال، ويتعرض للكثير من الآفات والأوهام والأغاليط، وهو كذلك يتعرض لآفة النسيان والتشيُّع والمبالغة في تصديق المشاهير. كما يتعرض للأهواء والتحيزات من جانب الأشخاص الذين يدونونه أو يروونه روايته شفاهة إتباعاً للهوى، أو الغرض أو المصلحة، أو الانتماء الحضاري والثقافي، وفي بعض الأحيان يتعرض التاريخ للتزييف المتعمد، والتحريف المقصود. قال تعالى في حق الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وكذلك يحرفون وقائع التاريخ، وحتى الوثائق المؤكدة لا تفلت أو تنجو من تحريفهم وتزويرهم:

{أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ ليحاجوكم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (البقرة 75-76 ).
وقال تعالى في حق هؤلاء المحرفين والمزورين للتاريخ، وحتى الكتب السماوية:
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران:78 ).



ابن خلدون وأسباب اللغط في تدوين التاريخ 732هـ-808هـ (1332-1406م)
ابن خلدون العلامة العربى الأفريقي، أسس علوماً كثيرة من أهمها علم الاجتماع، وعلم فلسفة التاريخ. يقول ابن خلدون في تعريف التاريخ ما يلي:
(( إنه لما كانت طبيعة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران مثل التوحش والتآنس والعصبيات، وأصناف التقلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك كله من الملك والدول، ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال)).
وكتب ابن خلدون عن طبيعة التاريخ وشرفه ما يلي: (أعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضي من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم بها أصول العادة وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل، المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل، غثاً أو سميناً، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، سيما في إحصاء الأعداد في الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر).
إذن فابن خلدون حذرِ وواعِ تماماً بالأسباب التي تؤدي إلى عدم الدقة في نقل الأخبار ومنها:
1) الغلط في تقدير أعداد الجيوش أو أموال الحكام والسلاطين.
2) الانبهار والثقة المطلقة بالأسماء المشهورة من كبار الرواة والناقلين والمؤرخين، من أمثال المسعودي، والطبري، وابن عساكر.
3) ضعف ملكات النقد وقواعد النظر والاستدلال، والغفلة عن قواعد القياس المنطقي، وعدم التثبت، وقلة البحث والتأمل والتدبر والروية.
4) التشيع للآراء والأفكار، والتحيز للأفكار والأشخاص، فالناس يتبعون من يحبون في آرائهم، وكذلك هم يتبعون سادتهم وكبارهم فيضلوهم السبيل.
5) الذهول عن طبيعة العمران والغفلة عن طبائع الأشياء وأحوال الممالك، وعوائد الناس وحقائق الزمان والمكان.
6) كذلك الذهول عن قواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم في البقاع والأمصار، في السير والأخلاق والعادات، والنحل والمذاهب، وسائر الأحوال.
7) عدم الإلمام والإحاطة بالأخبار، الحاضر منها والماضي، وقياس الغائب على الشاهد، وما بين الغائب والحاضر من الموافقة أو الاختلاف، وتعليل المتفق عليه منها والمختلف.
8) عدم الإلمام بأصول الدول والملل، ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها، ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم (حتى يكون مستوعباً لأسباب كل حادث، واقفاً على أصول كل خبر، وحينئذِ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول، فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان، وإلا زيفه واستغنى عنه).
9) يقول ابن خلدون: ((إن من أسباب الغلط الخفي في فهم التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دويّ شديد الخفاء، إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يفطن إليه إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عباده. ))
فالناس على دين ملوكهم، وكلما جاءت دولة أو سلطان بدّل وغير في عادات الملك، وعوائد السلطان وسلوكهم، فهو يأخذ عن من كانوا قبله، ولكنه أيضاً يستحدث عادات وأحوالاً يتميز بها ملكه وسلطانه وأيامه، فإذا دالت دولته وجاءت دولة أخرى وسلطان آخر، أخذ كذلك في تبديل أحوال المملكة، ونظام الملك والسلطان، وذلك باستحداث عوائد وقوانين وإجراءات ومراسيم خاصة به، وهكذا....(فيكو) الأول في تبدل مستمر، إلى أن تخالف الدولة الأخيرة والسلطان الأخير عادات الدول قبله وتباينها مباينة كبيرة، ولأن كل ذلك يحدث بالتدريج وعلى فترات متطاولة، فنادراً ما يفطن إليه الناس ويجرون أحكامهم وأفكارهم على ما كان في العهود الأولى، وهذا من القياس الفاسد والمحاكاة المغلوطة، وهو من أكبر أسباب الغلط والخطأ في فهم التاريخ.
10) ومن أسباب الغلط والخطأ في تدوين التاريخ، تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلّة والمراتب بالثناء والمدح، وتحسين الأحوال، وإشاعة الذكر بذلك، فتستفيض الأخبار على غير حقيقة، فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه وثروة، وهذا يمكن أن يعد من أنواع التشيع للأشخاص والهيئات، وليس من باب التشيع للآراء والأفكار.
11) ومن أسباب الغلط والخطأ في فهم التاريخ الاجتماعي الذي يتعلق بعادات الأمم والشعوب والجماعات، خاصة الجماعات البدائية التي كانت معزولة؛ الذهول عن فهم المعاني البعيدة والعقائد الخفية في ثقافة تلك الجماعات، والتي تختلف اختلافاً كبيراً عن عادات الجماعات المتحضرة، وأكبر الخطأ الذهول عن المقاصد والأهداف والقيم التي يؤمن بها أولئك البدائيون، وتفسير سلوكهم، بالمقايسة على سلوك الباحثين المتحضرين، وهذا الذهول عن الفهم الحقيقي لسلوك البدائيين بناء على معتقداتهم البدائية الممزوجة بالسحر والخرافة والشعوذة، يقود إلى أخطاء فادحة، خاصة في وضع نظريات علم الأجناس (الأنثربولوجيا) (Anthropology)، فلا بد للباحث في أحوال أولئك البدائيين من النفاذ إلى ما وراء الظواهر، ومعرفة التفسير الحقيقي لسلوك أولئك البدائيين، وما يعتمل في نفوسهم وضمائرهم، وماينبنى على قيمهم ومعتقداتهم البدائية الموغلة في السحر والشعوذة والأوهام والأباطيل. ومن هنا ابتدع الباحثون مناهج لفهم الجماعة البدائية بناء على الغوص عميقاً في مجتمعاتهم، والتمكن من فهم لغاتهم ورموزهم، مما يسمى بـ(الاستبطان الجمعي) (empathetic understanding)، وذلك يتم بالعيش معهم لسنوات طويلة، والانخراط في مجتمعاتهم، والتحدث بلغاتهم، وربما الزواج منهم، ولقد اتبعت جماعات من العلماء الأوربيين هذه المنهجية، فعاشوا مع تلك الجماعات، واندمجوا فيها، وتعايشوا معها لسنوات طويلة، ثم خرجوا بمؤلفات عميقة عن عقائد أولئك البدائيين، وعاداتهم وثقافتهم، وما كانوا عليه من اعتقاد في السحر والشعوذة والمحرمات.
12) ومن أسباب الغلط في فهم التاريخ عند ابن خلدون، الجهل بباطن الوقائع، وأخذها على ظاهرها، وعدم التدقيق في بواطن الأمور وحقائقها الدقيقة. فإن كثيراً من الوقائع ليست في الواقع كما تبدو في الظاهر، ولا بد من الغوص في الحقائق المستترة، التي هي بواطن الأمور وجوهرها الحقيقي.
فالناس كثيراً ما يتصفون بالأشياء، ويتعمدون التلبيس والتظليل لأشياء شتى، ويتظاهرون بالغنى والأبهة والأموال، وهم في الواقع ليسوا كذلك، وإنما يتصنعون ذلك لإيهام الغريب بأنهم من علية القوم، ومن المشهورين الكرماء، وهم في الواقع ليسوا كذلك، كما قال أبو الطيب المتنبي –رحمه الله- واصفاً سلوك كافور الإخشيدي:
جَوعانُ يَأكُلُ مِن زادي وَيُمسِكُني لِكَي يُقالَ عَظيمُ القَدرِ مَقصودُ
فنقل الأخبار بلا روية وتدبر، وبلا غوص وراء المستور، والحقائق الأصلية هو نوع من الخطأ والغلط في نقل الأخبار والوقائع، وفي فهم التاريخ.
وخلاصة القول أن ابن خلدون كان متقدماً على عصره، وكان رائداً ومبتكراً عندما بيّن أوجه الخطأ والغلط في فهم التاريخ، ودعا إلى منهج الفهم النقدي، وإلى تمحيص الأخبار والوقائع بناء على فهم عميق بطبائع الناس، وطبائع الأحداث والوقائع في حد ذاتها، وفي نفس واقع الأمر (فإن كل حادث من الحوادث ذاتاً كان أو فعلاً، لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته، وفيما يعرض له من أحواله) فإن مثل هذه المعرفة العميقة هي التي تمكن الباحث من المعرفة النقدية للأخبار والوقائع، إذ لا يمكن تمحيص أي خبر أو واقعة دون المعرفة الحقيقية بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم في البقاع والأمصار.



مناهج البحث في علم التاريخ
تدخل مناهج البحث في التاريخ في مجال فلسفة التاريخ، وفلسفة التاريخ عند ابن خلدون، وهو باتفاق العلماء، شرقاً وغرباً، مؤسس هذا العلم، (فلسفة التاريخ) ضمن جملة من العلوم الأخرى , التي تزخر بها مقدمته الشهيرة، من أهمها –إلى جانب علم فلسفة التاريخ- علم الاجتماع أو علم فلسفة الاجتماع.
والتاريخ ظاهر وباطن عند ابن خلدون، وفلسفة التاريخ تتعلق بباطن التاريخ، يقول ابن خلدون في ذلك:
(أما بعد، فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال وتُضرب فيها الأمثال، وتطرف به الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدى إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع فيها للدول النطاق والمجال... وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق،وجدير بأن يعد في علومها وخليق...)
إذن فعلم التاريخ هو ظاهر الحوادث والوقائع والأخبار التي تروى عن ماضي الأحداث في القرون الماضية بلا تعمق أو تفكر أو تدبر عميق لما وراء الأحداث من أسباب وعلل، وقوانين وعوامل متعددة، وظروف وملابسات وعوائد وطبائع وآراء واختلاف ومصالح واعتبارات، وما يأتي بسبب طبيعة العصر وطبيعة المكان والبيئة والتاريخ، وطبيعة الشعوب نفسها، وطبيعة العمران والاجتماع البشري، وما يموج فيه من نزاعات واختلافات وتطورات وما إلى ذلك... هذا الظاهر للأخبار الماضية والوقائع، هو ما يفهمه ابن خلدون عن علم التاريخ، الذي هو علم الوثائق والأسانيد، عن ما مضى من دول وأجيال وحضارات وأحداث، وهذا ليس هو بيت القصيد فيما يعنيه ابن خلدون، وما قصد إليه في تصنيف (المقدمة) وتاريخ المبتدأ والخبر، ولكنه العلم الجديد الذي يقول ابن خلدون إنه ابتدعه ابتداعاً، واستحدثه استحداثاً من غير تعلم من أرسطو والإغريق، أو من (الموبذان) وقدماء الفرس، هو ما أسماه بـ(باطن التاريخ)، نوه به وعرفه في الأسطر التي اقتبسناها من المقدمة أعلاها، وهذا الباطن هو العلم الجديد الذي اخترعه ابن خلدون اختراعاً وسماه من جاء بعده من فلاسفة أوروبا بعلم(فلسفة التاريخ)، وزعموا أن ((فيكو)) الإيطالي هو أول من اخترعه وألف فيه، ولكن هذا ادعاء كاذب، وقول باطل ومزيف، و((فيكو)) وغيره من فلاسفة أوروبا، جاء بعد ابن خلدون بثلاثة أو أربعة قرون على الأقل، إذ إن ابن خلدون الفيلسوف الأفريقي العربي عاش في شمال أفريقيا في القرن الرابع عشر الميلادي، وقليلاً من القرن الخامس عشر الميلادي، فهو ولد في عام (1332 وتوفي في 1406م.) وتعد مسائل المنهج جزءاً من فلسفة التاريخ، وهذه المناهج هي مناهج استقرائية تجريبية لعلم التاريخ، ويدخل فيها فحص المستندات والوقائع، وفحص الآثار والحفريات، وكذلك تعديل الرجال وجرحهم فيما يتعلق بصدقهم أو كذبهم، ودقتهم في الحفظ والنقل أو عدم ذلك بالنسيان والخطأ، فإن للمنهج الاستنباطي أيضاً دور في تحقيق علم التاريخ نفسه، أي في ظواهر الحوادث والوقائع، وتسلسل الأيام واطراد السنوات.
أما علم ( فلسفة التاريخ ) أو باطن التاريخ، كما يسميه ابن خلدون، فإن المنهج الاستنباطي هو الأولى بالاعتبار والاستخدام، فإننا نقيس الأقوال والنظريات، ونعمل فيها آليات النقد والتمحيص والتدقيق , بالنظر إلى قواعد علم العمران البشري والاجتماع الإنساني ومقاصده وطبائع الأشياء في حد ذاتها، سوى ما يمكن أن يصدق عليها أو لا يصدق، وما يمكن أن تحتمله أو لا تحتمله، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإعداد الجيوش أو الأموال، وكذلك فيما يتعلق بصدق الأخبار نفسها، فلا يمكن لجيش يتكون من ألف جندي أن يهزم جيشاً يتكون من مائة ألف جندي، ولا يمكن لقرية صغيرة أن تأوي جيشاً يتكون خمسمائة ألف جندي، أو أن توفر له الغذاء والماء والمأوى.

القرآن الكريم ومناهج التاريخ وفلسفة التاريخ
لقد اُتُهِم ابن خلدون بأن منهجه في تحقيق مسائل التاريخ أو مسائل فلسفة التاريخ، بأنه منهج واقعي تجريبي، ولكن لا بأس بهذا المنهج، مادام كان ممزوجاً بالمنهج الاستنباطي النقدي، كذلك لا بد أن ابن خلدون قد تأثر بأساليب القرآن الكريم في تأكيد الأقوال والأحداث، وهو منهج مركب يستخدم كل أساليب الإقناع العقلي والجدلي العاطفي النفسي كذلك. قال تعالى داعياً مشركي مكة الذين كذبوا وأعرضوا عن آيات التوحيد ومعجزات القرآن، داعياً لهم أن يسيروا في الأرض جنوباً وشمالاً، حيث آثار الأمم السابقة. قال تعالى:
{أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} ( غافر:21 ) .
وقال تعالى:
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (غافر:82 ).
وربما تكون الإشارة هنا إلى آثار ثمود في شمال الجزيرة، ومدائن صالح وهي باقية إلى اليوم، وكذلك آثار القبائل النبطية، ومنها المدينة الوردية النيطية البتراء وهي قائمة حتى اليوم في الاردن فى طريق تجارة قريش إلى الشمال... وربما تكون الإشارة إلى آثار الرومان شرق الأرض، وهي باقية أيضا إلى اليوم، وربما تكون الإشارة إلى آثار عاد وإرم في جنوب الجزيرة العربية، وعاد هم قوم هود، وهم غاية في قوة الأجسام وقوة الاستبصار، وقد أوتوا بسطة في العلم والجسم، وكانوا عمالقة.
والمهم هنا أن ندرك أن منهج النظر في التاريخ- في منظور القرآن الكريم- هو منهج مركب، يخطئ من يقول إنه منهج استقرائي فقط، فهو منهج استقرائي في البداية، لأنه يدعو إلى النظر المجرد بالعين، أي يدعو إلى الملاحظة والاكتشاف، ولكنه سرعان ما ينتقل إلى النظر العقلي، أي النظر الاستنباطي، وذلك عندما يقول إن تلك الآثار البديعة-مدائن صالح—البتراء- آثار النبط والرومان في شمال الجزيرة العربية، وآثار عاد في جنوب الجزيرة تدل دلالة قوية على قوة أولئك الأقوام السابقين، وإلى ما أتوا من قوة الأجسام والعقول وقوة العدد والعدة، وما تمكنوا منه من صنع حضارة وآثار باقية حتى يومنا هذا. والنظر هنا هو النظر العقلي البرهاني الاستنباطي، ولكن المنهج لا يقف عند حد النظر المجرد، استقرائياً كان أم عقلياً استنباطياً، ولكنه في المرحلة الثالثة يدعو إلى التأمل واستخلاص النتائج (العبر، كيف كانت النعم والتمكين الذي أفاءه الله لأولئك الأقوام، وكيف أنعم عليهم بالقوة والاستبصار، ومن رحمته أرسل لهم الرسل للتذكير والهداية والدعوة إلى عبادة الله، المنعم بكل تلك النعم، ثم كيف كان فشلهم في الامتحان وسقوطهم في الابتلاء، وكيف كان اختيارهم، وأنهم اختاروا الكفر والجحود والصد عن سبيل الله، وتكذيب الرسل... ثم كيف كان مصيرهم المستحق نتيجة كسبهم واختيارهم الكفر والجحود بدل الإيمان والشكر، أن الله دمرهم تدميرا مستحقاً وكاملاً.
إذن في المرحلة الأخيرة يدعو المنهج القرآني للتاريخ المؤمنين أن يتدبروا مآلات الأمم السابقة، ويأخذوا العبر والأمثال للتذكرة والموعظة الحسنة والاعتبار، فلا تغرنهم الحياة الدنيا، ولا يغرنهم بالله الغرور.
بعض الدارسين لآراء ابن خلدون ومنهجه في التاريخ كثيراً ما يخطأون حين يصفون منهجه في التاريخ بأنه منهج مادي استقرائي تجريبي، والواقع أن منهج ابن خلدون ليس كذلك، إلا في مظهر واحد من مظاهره، وفي مرحلة واحدة من مراحله، وذلك عندما يدعو إلى السير في الأرض والنظر في آثار الأمم والدول والحضارات، ولكن ابن خلدون بالطبع مثله في ذلك مثل القرآن الكريم- لا يقف اذ يقتصر على المرحلة الأولى- وهي مرحلة السير في الأرض والنظر في آثار الأمم السابقة التي صدت عن سبيل الله، وكفرت به، وكذبت الرسل، وظلمت في الأرض علواً واستكباراً بغير الحق، كما كان حال قوم هود عليه السلام،وانما يتعدى ذلك مبين مصدهم ومآلهم وكيف أن حكم الله فيهم فغضب الله عليهم ولم ينفعهم ما كان يتمتعون به من قوة ضاربة، وتعمير وقصور شامخة وآثار تليدة باقية... بل وقع عليهم عذابه وعقابه .
قال تعالى يصف ما كانت عليه "عاد وإرم" قوم هود عليه السلام:
{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ} فصلت: 15-16.
وفي آية قرآنية أخرى وصف عاد وإرم بأنها التي لم يخلق مثلها في البلاد)، كما أنهم وصفوا في آية كريمة أخرى أنهم كانوا مستبصرين، أي (ذوي بصر ونظر وعلوم) ولكن نظر بلا هدى من الله، وبلا حكمة لا يكفي في الهداية إلى الإيمان، لأنه نظر مقطوع عن التأمل العميق في التاريخ وفي مآلات الأمم السابقة التي كذبت الرسل وصدت عن سبيل الله وكفرت به، وظلموا أنفسهم وكان عاقبتهم الدمار والخسران والبوار.
إن منهج النظر في التاريخ، أي فلسفة التاريخ من منظور قرآني، هو النظر في مآلات الأمم السابقة، ومصائرهم عندما عصوا أمر ربهم وجحدوا نعمه وآلاءه، وكفروا بأنعم الله وآياته.. والتاريخ في المنظور القرآني-في أحسن صورة وأعظمها هو تاريخ الأنبياء والرسالات السماوية، وموقف الأقوام منها ومن رسلهم الذين جاءوهم بدعوات بالحق، وبأحسن القصص، فما انتفعوا بعقولهم ولا موعظة بأنبيائهم ورسلهم.
قال تعالى يصف ملاحم تاريخ الأمم مع أنبيائهم ورسلهم:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }يوسف:109-111.
إن منهج التاريخ وفلسفة التاريخ في المنظور القرآني، تهتم في المقام الأول، بتاريخ الأنبياء والرسل وتاريخ الأمم والشعوب في مواقفها من دعوات الرسل والأنبياء، وما تتخذه من مواقف وحيازات إزاء تلك الدعوات، وعلى تلك الخيارات تترتب المآلات والعواقب. فكل أمة تختار ما تشاء من المواقف أما إيمان وتصديق أو كفر وتكذيب، وعلى هذا الاختيار يترتب الجزاء والمصير، وهذا سنة من سنن الله في الخليقة في والكون ماضية إلى يوم القيامة، والقرآن يدعو الأمم , خاصة تلك الذين جاءتهم الرسل، أن يتدبروا مصائر الأمم التي سبقتهم، وما لحق بهم من تدمير وهلاك نتيجة كفرهم وعصيانهم وصدهم عن سبيل الله كثيراً، والقرآن يخاطب مشركي قريش بوجه خاص أن يعتبروا بمصائر الأمم البائدة في جنوبهم وشمالهم، وهذه الأمم ماثلة أمامهم بآثارها التي يمرون بها في الليل والنهار في طريق رحلات الشتاء والصيف، إلى الجنوب وإلى الشمال، يقول تعالى:
{وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ، ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ، وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ( الصافات: 133-138) .
فالنظر العقلي المجرد سواء كان استقرائياً تجريبياً أو عقلياً استنباطياً، ينبغي في النهاية أن تكون له حكمة عملية تتعلق بالإيمان وبالاعتبار والاستبصار الحق، وبالاهتداء إلى القيم الأخلاقية والسلوك القويم، واتخاذ الموقف السليم إزاء رسالات الأنبياء والرسل، وذلك بتصديقهم وتكريمهم وتأييدهم وتعزيزهم وتوقيرهم، واتّباع النور الذي أنزل إليهم، وإقامة عمران إيماني يعمر الأرض بالقيم والرحمة والتكافل والإنفاق في سبيل الله، وإعلاء كلمة الله في الأرض.
ليس ابن خلدون بعيداً عن المنظور القرآني للتاريخ، وهو يعلن أن منهاجه تأسس على هذا العلم البديع.. والذي يقول انه ابتدعه ابتداعاً واخترعه اختراعاً، وهو ما تعارف عليه الفلاسفة بعلم " فلسفة التاريخ" .
بين ابن خلدون و(فيكو) الإيطالي
(فيكو) رائد فلسفة التاريخ في العالم العربي
قيماباتستا (فيكو) Giambatistia Vico (1665-1744) الإيطالي الجنسية، هو بلا أدنى شك رائد عظيم من رواد فلسفة التاريخ في العالم الغربي، وبغض النظر عما إذا كان قد تأثر بابن خلدون أم لا، فإنه قد بث كثيراً من الآراء والنظريات ذات الطبيعة الخلدونية في العالم الغربي.
فلقد نوه ( (فيكو) ) بأن التاريخ علم من العلوم الإنسانية أو الاجتماعية، وأنه من أجل ذلك له خصوصية ولا يمكن أن يعد واحداً من العلوم الطبيعية، لأن العلوم الطبيعية تتعلق بالمادة الصماء، بينما يتعلق التاريخ بعلوم الإنسان والفرق شاسع بين المادة الصماء وخصائصها، وبين الإنسان وهو المخلوق الفريد الذي يتميز بـ:
• الحرية
• الإرادة
• الاختيار
• الوعي أو البصيرة (الحدس)
-كذلك كان من رأي ((فيكو)) أن للتاريخ طبيعة دائرية (The cyclical theory of History)
وأنه لا يسير في خط صاعد مطرد (Linear Line).
-وكذلك كان من رأي ((فيكو)) أن للتاريخ مراحل في تطوره، أشبه ما تكون بمراحل تطور الإنسان، بل ان (فيكو) قد زغم أن للدول والحضارات أعمار كأعمار الإنسان والكائنات الحية (ميلاد – طفولة- شباب – رجولة – نضج- شيخوخة- كهولة- ثم خرف – موت أو فناء) وكل تلك النظريات ذات أصول واضحة في مقدمة ابن خلدون.
ولا شك أن ((فيكو)) كان أقرب إلى علوم النهضة الأوروبية، وأبعد من الاتجاهات الفكرية التي تمثل القرون الوسطى في أوروبا. فقد كان الجميع مبهورين بالتقدم الكبير الذي أحرزته العلوم الطبيعية الحديثة، وحتى العلوم الاجتماعية الجديدة. وتلك القناعات هي التي جعلت ((فيكو)) يتجه بكل عنفوانه إلى الاتجاه المعارض للاتجاهات الكلاسيكية التي كانت سائدة في العصور الوسطى في أوروبا. وكانت لدراسته للفلسفة الإغريقية وخاصة آراء (أفلاطون)، وكذلك إلمامه بآراء (فرانسيس بيكون) أثر كبير في تكوين عقليته الفلسفية، وعندما تم تعيينه أستاذاً متفرغاً في جامعة نابلس، بدأ يؤلف الكتب الفلسفية، ومن أشهرها كتابه (The New Science) Scieza Nuova) ) وتعني العلم الجديد.
نبذة عن كتاب ((فيكو)) " العلم الجديد ":
يعتبر العلماء الأوربيون كتاب ((فيكو)) " العلم الجديد " ، فتحاً علمياً عظيماً، بل يعتبرونه عملاً عبقرياً، وبالرغم من ذلك فلغة الكتاب كثيراً ما تتميز بالغموض والغرابة، وعدم الترتيب النسقي، وتمتلئ بالإشارات المبهمة وبالآراء الحدسية والإيماءات، ويفتقر الكتاب إلى التسلسل المنطقي في جملته، وهو بذلك التركيب المضطرب يخالف كثيراً أساليب (ديكارت) في الكتابة، إذ أن أساليب (ديكارت) تتميز بكثير من الجلاء والوضوح والتسلسل المنطقي الصريح.
لقد بسّط ((فيكو)) في هذا الكتاب آراءه ونظرياته التي اشتهر بها فيما بعد:
1- أن مسار التاريخ يسير في دوائر ودورات دائرية حلزونية (The cyclical theory of History).
2- أن الأمم والدول يمر نموها وتطورها بمراحل وأطوار محددة، كالكائن الحي تماماً:
- دور النشأة والطفولة.
- دور الشباب والفتوة.
- دور النضج وبلوغ الذروة والرشد.
- دور الكهولة.
- دور الشيخوخة.
- دور الهرم.
- دور الاضمحلال والتحلل.
- دور الموت الطبيعي وانقضاء الأجل.
نجد أن ((فيكو)) كابن خلدون تماماً، كان يؤمن بأن للدول والحضارات أعماراً محددة، وآجالاً مقدرة، قال تعالى:
(إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) ( يونس:49).
وبلا شك فإن هذه الفكرة الخلدونية أصلاً، والتي اقتبسها ((فيكو)) فيما اقتبس عن ابن خلدون-وهو كثير- لها جذور قرآنية واضحة.
قال تعالى:
َ{قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}يونس:49.
نظرية ((فيكو)) في الصلة العضوية بين الخلق والعلم
ومن الاعتبارات التي جعلت لـ((فيكو)) يلى كل هذا الاهتمام بالنظر في التاريخ، هو رأيه القائل إن هناك صلة عضوية بين الخلق والعلم (والذي يخلق شيئاً يكون هو أكثر الكائنات علماً بوضعية هذا الشيء)، فمثلاً الله هو الذي خلق الكون والكائنات الموجودة فيه أحياء وأمواتاً، ولذلك فالله تعالى هو أعلم الموجودات بأوضاع هذا العالم.
ومرة أخرى، نجد أصولاً قرآنية لنظرية ((فيكو)) سواء أخذها من ابن خلدون أو من الكتب السماوية الأخرى، فلقد جاءت هذه الفكرة نفسها في القرآن.
قال تعالى:
{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}الملك:14.
ولكن التاريخ في رأي ((فيكو)) هو إلى حد كبير من صنع الإنسان، ولذلك فإن للإنسان قدرة على فهم التاريخ، ليست متوفرة له في فهم الظواهر الطبيعية، لأنه لم يخلق الطبيعة، هكذا نجد هاهنا بذرة مهمة ولبنة مهمة يضعها ((فيكو)) على طريق التفرقة بين العلوم الطبيعية من جانب، والدراسات التاريخية من جانب آخر! فللتاريخ صفاته المميزة له، وخاصيته التي يتفرد بها، من دون العلوم الطبيعية الأخرى. فلا مناص من البحث عن منهج خاص لدراسة التاريخ، يختلف تماماً من منهج الدراسات الطبيعية.
لا يريد ((فيكو)) هنا أن يقول إن مناهج دراسة التاريخ هي مناهج ذاتية، وتعتمد فقط على انطباعاتنا السيكولوجية، ولكن للتاريخ موضوعية ووجود مستقل عن إدراكنا، لأن إدراكنا هو الذي ينعكس على مسار التاريخ! والتاريخ هو الذي يعبر عن ذلك الإدراك البشري، من خلال أحداث التاريخ وأطواره، فالتاريخ ليس من نسيج أفكارنا، ولا هو من صناعة أذهاننا، بل إن له وجوداً موضوعياً ومساراً خارجياً وجمهورياً لا يتعلق بنفوسنا أو أعمالنا فحسب، ولكنه بالرغم من ذلك وحسب المنظور الغربى انما يعبر عن ارادتنا ووعينا طوعاًً.
إن النظر إلى التاريخ على أنه من صناعة أفكارنا نظر خاطئ وقاصر، ولعل ((فيكو)) كثيراً ما يشير إلى القدرة الإلهية (Providence) وكأنه يريد أن يقول إن التاريخ هو من صنع الإنسان، ولكن بتقدير وتوفيق وهداية وتوجيه من العناية الإلهية، إذن فإن مسار التاريخ أيضاً يكشف عن المشيئة الإلهية والقضاء والقدر الإلهيين، الذلين كثيرا ما يؤسسان بناءً على توجيهات الإنسان وكسبه في الزمان والمكان.
قال تعالى:
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}النحل:33-34.
إذن فإن الإرادة الإلهية إنما تبنى وتؤسس على كسب البشر، إذن فإن التاريخ هو من كسب البشرية في فتراتها المتلاحقة، وهو أكثر نضجاً الآن-في رأي (فيكو)- لأن البشرية انتقلت من التفكير الرومانسي الشاعري إلى التفكير العقلاني الرشيد المتين.
فلا يمكن أن تساوي بين حكمة الأجيال الأخيرة ذات الطابع العقلاني المبين، وحكمة الأجيال الماضية، وهي حكمة تقوم على التفكير الشاعري وعلى الأمثال والأساطير التي كانت سائدة في تفكير الأقدمين، أي أنه كان تفكيراً يتسم بالتلقائية والأوهام الخيالية والحكم الشعبية.
ويرى ((فيكو)) أن الطريقة المثلى لفهم مسار التاريخ هي أن يعمل اللغويون أدواتهم اللغوية في التحليل، أن يوضحوا بها وقائع التاريخ ويفسروها، لأنهم هم الأقدر على إعادة تمثل التاريخ بطريقة خلاقة، وبها يمكن فهم روح العصر القديم الذي حدثت فيه تلك الوقائع:
(The facts of history are properly investigated and interpreted by philologists capable of recreating imaginatively, the character of the ages in which the historical events arose)
ومن دون استعمال أدوات التحليل اللغوي، فإن الفلاسفة لن يستطيعوا فهم الظاهرة التاريخية، وخصائص التاريخ، وسوف يعتبرونها مطلقة وصحيحة، عند كل الأقوام والشعوب، وفي كل الأوقات والأزمان، ولكن الحقيقة هي أن حقائق التاريخ وحكمه، إنما هي نتيجة تراكمات وتطورات تمت في أوقات وحقب مديدة، وكما أسلفنا القول فإن (فيكو) يرى أن التاريخ هو من صنع الإنسان، لذلك فإنه بمقدور الإنسان أن يفهمه، ولكن هذا الفهم لا يتحقق إلا إذا استخدم الإنسان ووضع نصب عينيه أحكام وقواعد وضوابط منهجية، أو هي تلك الأحكام والقواعد والضوابط التي حاول ((فيكو)) بسطها وتبنيها في كتابه (العلم الجديد)، وحاول أن يوضح كيف يمكن تطبيقها على عملية الفهم، التي هي الأوفق والأحسن في تفسير التاريخ، ألا أنه علم ( أي التاريخ ) له خصوصيته الإنسانية والمنهجية التي تفرقه وتفرزه لوحده، مختلفاً عن العلوم الطبيعية التي تكون المواد والعناصر الطبيعية، محورها وموضوعها الأساس، وعلى الفلاسفة أن يستخدموا أدوات التحليل، والأدوات النقدية، ويبذلوا في ذلك جهداً ذهنياً كبيراً، حتى يستطيعوا أن يستشفوا ويستنبطوا حقائق التاريخ وقوانينه، وسننه بطريقة شفافة، وبهذه الطريقة وحدها، يستطيع فلاسفة التاريخ أن يعيدوا تمثل الأفكار العظيمة، والعواطف والانفعالات الجياشة، التي صاحبت تلك الوقائع التاريخية العظيمة، عندما حدثت لأول مرة في الماضي.
وكما أسلفنا القول فإن ((فيكو)) متبعاً في ذلك ابن خلدون يرى أن الشعوب تمر بمراحل محددة ومحتومة في أثناء عملية تطورها التاريخي، تماماً كما يحدث للكائن العضوي الحي (طفولة، شباب- نضج- كهولة- شيخوخة- وأخيراً موت وفناء نهائي).
إنه من دون فهم هذه الأطوار الأساسية لنمو الدول والحضارات والأمم، لا يمكننا أن نضع منهجية سليمة لفهم التاريخ، ذلك أن الأمم تمر بأطوار تكون بدايتها موغلة في الأسطورية والغيبية، ولكن تلك المراحل الأولى تتطور إلى مراحل وأطوار أكثر نضجاً وأكثر عقلانية، وهي الأطوار التي تمثل النضج والازدهار حيث تسود القيم الحضارية والمدنية، وعلى ضوء هذه المنهجية التطورية، فإنه ينبغي على المؤرخين فهم واكتشاف قراءة الوثائق التاريخية وحل ألغازها، ذلك أن ((فيكو)) يعتبر أن الطريقة التي كانت الأمم الغابرة تفكر بها هي طريقة بدائية تستخدم الصور والرموز والأشياء المحددة المعينة الشاخصة، تماماً كما كان يفعل الأطفال في طريقة تفكيرهم، وفهمهم للحقائق، ويرى ((فيكو)) في هذا الصدد أن تلك الأمم الغابرة لم تكن تستخدم المعاني الكلية، وأسماء المجموعات Class concepts .
لأن تلك المعاني الكلية والأسماء العامة والتصورات التي تدل على المجموعات، إنما هي تطورات منطقية حديثة جداً في رأي ((فيكو)), ومن هذا المنظور فإن ((فيكو)) يدعو إلى الاهتمام بالدراسات اللغوية، لأنها تساعد في فهم ومعرفة تفكير البدائيين، ولا ينبغي أن يفهم من التاريخ رواية الأفكار الحديثة، التي تتخذ المنطق والرياضيات والمفاهيم الكلية أساساً لها، فالبدائيون كانوا يتخذون من الفنون والتماثيل وسيلة للتعبير عن أفكارهم، كذلك كانوا إذ ان يتخذون الأشياء المجسمة وسيلة للتعبير عن آرائهم، كذلك مثلهم في ذلك مثل الأطفال، والشخوص والصور هي الوسيلة في الأساطير والقصص الخرافية البدائيون وهى تعبر عن عقلية أولئك البدائيين، وطرائق تفكيرهم، وفي دراسة اللغويات، فإن الأصول المجازية للكلمات التي نستخدمها الآن تساعد في فهم كيفية استخدام البدائيون لتلك الكلمات.
وهكذا فإن تصور ((فيكو)) لمسار التاريخ ولطبيعة التاريخ، يختلف من النظريات التي تتصف بالعقلانية المفرطة (ديكارت)، أو من النظريات الدينية التي ترى في التاريخ تجليات القدرة الإلهية، والقضاء والقدر الإلهيين.
فالتاريخ عند ((فيكو)) هو من صنع الإنسان في الأساس، وإن مساره يجسد طبيعة العقل الإنساني وطبيعة النفس البشرية. فـ((فيكو)) عندما يتحدث عن العناية الإلهية Providence ، يرى أنها –أي العناية الإلهية- إنما تترتب بطريقة ما على كسب الإنسان، وعلى كل حال، فلا ينبغي أن نفهم ((فيكو)) على أنه من أولئك التنويريين، الذين لا يأبهون للدين ولا يؤمنون بدور الآلهة في التاريخ، (ف(فيكو)) متأثر جداً بدراسته للكتب المقدسة خاصة التوراة والتلمود.وهو يرى أن العناية الإلهية في التاريخ تتمثل في تلك الاتجاهات والأنساق المطردة المحددة التي تتجلى في تاريخ الأمم والشعوب، وهي التي تمنع الإنسان من أن ينتكس إلى درك الحيوانية أو الهمج savages، وكذلك فإن تلك العناية الإلهية لها دور مهم في حماية الإنسان البدائي من شرور نفسه الحيوانية.
Vico Sees the idea of Providence and its work in history as restraining the rapacious nature of the Primitive Man, through the fear it instills in ‘him’.
وهذا الخوف هو الذي يخرجه، من حالة الفوضى والهمجية إلى حالة النظام والمدنية، ويرى ((فيكو)) أن البشرية تدرجت من طور البدائية والأوهام الخيالية والأسطورية، إلى طور النضج والعقلانية. ومن طور استخدام القوة المادية المجردة والوحشية، إلى طور السياسة المدنية المبنية على مبادئ العدالة، ومن طور امتيازات الأغنياء والنبلاء إلى طور حكم القانون والمساواة للجميع أمام القانون، ومبدأ تكافؤ الفرص وحكم الشعوب، أو حكم الرجال العاديين (plebs) الغوغاء والرجرجة، إلى الحكم الديمقراطي.
ومهما يكن من أمر فقد تأثر ((فيكو)) بابن خلدون في بعض جوانب نظرياته في التاريخ، فـ((فيكو)) أيضاً متأثر جداً بالتلمود وأساطير التلمود، وكذلك هو متأثر بالتوراة والكتب المقدسة. ومن ذلك أنه يقسم البشرية كما هو الحال في التلمود إلى قسمين: العبرانيين، وهم السادة، وهم من أبناء سام (ساميون). والقسم الثاني من البشرية هم الأميون وهم غير اليهود الساميين من أنباء حام ويافث.
فبينما حافظ أبناء سام على ثقافتهم وعقائدهم، وعلى لغتهم، وعاداتهم بعد الطوفان، ومكثوا في أرض الأجداد، تفرق أبناء حام ويافث في الأرض، وعاشوا فيها عيشة الحيوانات، ففقدوا مزاياهم البشرية، وصاروا ضخام الأجسام وعماليق. أما الساميون فقد عاشوا في عزلة من جميع البشر الآخرين لا يختلطون بهم، ولذلك حافظوا على نقائهم الديني والعرقي، وحافظوا على تميزهم وسموهم على الآخرين من الأميين.


(فيكو) ونظرية التعاقب الدوري للحضاراتذكرنا أن ((فيكو)) أخذ فكرة الدور الحضارى والتعاقب الحضارى أساساً من ابن خلدون، الذي قال بها صراحة في المقدمة، التي أخذها من الأصل القرآني في رأينا. قال تعالى:
{... وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ...}آل عمران140
ولكن لا يستبعد أن ((فيكو)) قد أخذ فكرة التعاقب الدوري للحضارات من التوراة، أو التلمود، ولكن هذه الفكرة واضحة جداً عند ابن خلدون، ويرجح أن يكون ((فيكو)) قد أخذها من ابن خلدون، لأنه أخذ أفكاراً خلدونية أخرى لا وجود لها في التلمود أو التوراة، ومن ذلك فكرة أن للأمم آجالاً محددة كالأفراد، وأنها تتطور من طور الطفولة إلى الشيخوخة، والهرم والموت والفناء الأخير. أما عن التدمير وأنه قد يكون بفعل الغزاة الأشداء من الخارج، أو الموت الطبيعي بالتحلل والهرم، وانقضاء الآجال الطبيعية، تماماً كما هو الحال عند الأفراد، فكل تلك أفكار خلدونية واضحة جلية، ونظرية التعاقب الدوري للحضارات (The cyclical theory of History) عند ((فيكو)) تقوم على ثلاث مسلمات في رأي د. أحمد محمود صبحي.
1- المسلمة الأولى: عصور التاريخ ليست على نمط واحد، بل كل عصر له شخصيته المتميزة وله طابعه الخاص به، ولكن مع ذلك فإن هنالك سمات مشتركة عامة، ويمكن لبعض العصور التاريخية أن تشبه عصور أخرى في سماتها العامة، فمثلا:
-عصر هوميروس في اليونان القديمة، يشبه العصور الوسطى في أوروبا حيث شعر الملاحم، وعصر البطولة، وحيث الحكم ذو طابع ارستقراطي- وحيث يغلب على الأدب طابع الشعر الملحمي_ وعلى الأخلاق طابع الولاء.
2- المسلمة الثانية: تعاقب العصور التاريخية تعاقباً متشابهاً، لذلك هي متشابهة، ففترة البطولة تتبعها فترة المدنية والدعة، وهي أقل مرحلة من البطولة، ثم تأتي مرحلة الانحطاط والبربرية.
3- المسلمة الثالثة: أن الحركة الدائرية لتعاقب الحضارات لا تسير في حلقات دائرية رياضية ( mathematical circles)، ولكنها تسير في حلقة لولبية أو حلزونية كالسلم أو كمدارج الجبال إلى أعلى، فلا تعود الدائرة إلى النقطة نفسها التي بدأت منها، ولكنها تصل إلى نقطة أعلى منها، فالبربرية التي انحطت إليها الحضارة الإغريقية القديمة، هي غير البربرية التي انحطت إليها الحضارة الرومانية القديمة، كذلك فإن البربرية أو المدنية التي تحدث عنها ابن خلدون ووصفها بأنها فترة الدعة والخمول والاستسلام، هي بالتأكيد تختلف عن مفهوم البربرية الأوروبية، وكل هذه الآراء عن دائرية التاريخ، ومراحل تطور الأمم والشعوب، هي آراء صريحة في (مقدمة ابن خلدون).
ومن نظريات ((فيكو)) في التاريخ قوله: إن كل الشعوب تمر في مسار تطورها بثلاث مراحل:
1- الطور الإلهي أو الغيبي: وهنا تنسب كل الأسباب والعلل والوقائع في التاريخ إلى القوى الغيبية أو إلى الله.
2- طور الأبطال والنبلاء: أو دور الأبطال، وهو الطور الذي يتولى به الحكم أفراد أقوياء، وقادة عظام، وهذا هو طور الحكم الأرستقراطي الاستبدادي Aristocratic Rule.
3- طور حكم البشر العاديين: أو طور الحكم الشعبي الديمقراطي، حيث يعترف بمساواة البشر في الطبيعة وفي الحقوق والحريات وأمام القانون. وهنا تظهر وتقوم النُظُم الديمقراطية Democratic Rule.
هذه الآراء التي تنسب إلى ((فيكو)) تجعله أقل بكثير من الأفق الراقي الذي وصلت إليه فلسفة ابن خلدون عن التاريخ ، خاصة وابن خلدون يتحدث عن:
1- الطبيعة المزدوجة للتاريخ من (ظاهر) و(باطن).
2- ويتحدث عن استقراء أطوار الدول، كما تجلت في دويلات العرب والعجم والبربر في دول شمال أفريقيا بعد انهيار الأندلس.
3- حديث ((فيكو)) عن انهيار الدول بواسطة الغزو من الخارج، أو بواسطة التحلل الداخلي، وبسبب الفناء الطبيعي أيضاً يعكس آراء ابن خلدون في هذا الصدد.
4- غير أننا لا نجد صدى لنظرية العصبية الخلدونية في آراء ((فيكو))، ولا نجد صدى لآراء ابن خلدون في قيام الدول وازدهارها، ثم في ضعفها وانهيارها وزوالها النهائي بسبب الظلم والترف والدعة والاستسلام للدعة، ولطور المدنية الذي يتسم بالليونة والتفسخ الخلقي، وانعدام الموافقة، وضعف الإرادة للقتال.
(فيكو) وفرانسيس بيكون وأوهام الحضارة
هل تأثر (فيكو) بفرانسيس بيكون Francis Bacon؟
وهل تأثر بـ(أرجانون الحديث) الذي ألفه بيكون ليعارض به الأرجانون الأرسطي Organum Novoum ؟
لا بد أن تكون الإجابة على هذين السؤالين بالإيجاب، لأن ((فيكو)) بدوره ألف (العلم الجديد)، وحاول فيه أن يضع قواعد منهجية لعلم التاريخ، كما حاول (بيكون) من قبل أن يضع قواعد جديدة لمنهج العلوم الطبيعية ذات طبيعة استقرائية تجريبية، تخالف قواعد أرسطو التي تعتمد على النظر الاستنباطي التأملي العقلي.
ومن جانب آخر فلقد نقد ((فيكو)) المنهجية القديمة للتاريخ، والتي كانت سائدة قبله، والتي ترجع التاريخ إلى أصول وقواعد غيبية ميتافيزيقية، وقال إن تلك النظريات القديمة أسست على جملة من الأوهام، بالطريقة نفسها التي اتهم فيها (بيكون) النظريات الأرسطية بأنها كانت تقوم على الأوهام!.
ولكن في الحقيقة، فإن أول من وضع مناهج وقواعد للمنهج العلمي، وخاصة في مجال الدراسات التاريخية، هو ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي، قبل (بيكون) وبالتأكيد قبل ((فيكو)) وقبل (ديكارت) بقرون عدة.
ففي المقدمة يتحدث عن الأوهام التي يقع فيها بعض كبار المؤرخين من الذين يغفلون عن فهم باطن التاريخ، وما يحويه من سنن وعلل خفية، هي التي تتحكم في مسار التاريخ، وفي عوائد العمران البشري ومظاهره، كما يغفل أولئك المؤرخون الذين يقعون في أخطاء كبيرة، وهم يحاولون تسجيل الوقائع والأحداث التاريخية، ويبالغون كثيراً في وصف تلك الوقائع والأحداث، أولئك هم:(المسعودي- الطبري –البكري- الطرطوسي) يغفلون عن فهم مبادئ وقواعد العمران البشري!
فقد سبق ابن خلدون (بيكون) بعزل العوامل التي تقود إلى الخطأ في التفكير وسماها أوهاماً في المقدمة، وهي الأوهام التي تعوق وتعرقل الدراسة الصحيحة للتاريخ، وأشار إلى:
1- أوهام النفوس: من تشيع لرأي وتجلة، (فيكو)ن ذلك غطاء عن التمحيص والنقد الصحيح.
2- أوهام النفاق: وتكون لأجل حب الثناء وحب المال والجاه.
3- أوهام البيئة: فقد خالف ابن خلدون رأي (جابر بن حيان) حول إمكانية تحويل الفضة والنحاس إلى ذهب، ورأى أن ذلك الرأي الخاطئ إنما مرده إلى الفئة التي كانت ترغب في الاستحواذ على المال والذهب بطرق غير طبيعية وغير علمية.
4- أوهام اللغة: فقد ساق ابن خلدون مثلاً لذلك في فهم المفسرين القدامي (الطبري، التغلبي، الزمخشري) في تفسيرهم لعبارة (إرم ذات العماد).
وهكذا نجد أن د. محمود السعيد الكردي في كتابه :(ابن خلدون) "مقال في المنهج"، يختصر أسباب الخطأ وعوامل الغفلة والأوهام التي يرى ابن خلدون أنها السبب في وقوع كبار المؤرخين المسلمين فيها، من أمثال المسعودي والواقدي والطبري والزمخشري وغيرهم، ووقوعهم في أخطاء شنيعة في رواياتهم لوقائع التاريخ وهو يرجعها إلى أربعة أوهام كما أشرنا في الفقرة الفائتة.
أما د. حسن الساعاتي، فيعدد حوالي الثمانية أخطاء هي المسئولة عن انحراف المؤرخين عن إصابة الحق في تدوين التاريخ على النحو التالي:
1- التشيعات للآراء والمذاهب، فإن ذلك من أوهام النفوس.
2- محاولة الناس التقرب في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب من المشاهير.
3- الثقة الزائدة بالناقلين من القدامى لما لهم- أي الناقلين- من هيبة ووقار.
4- الذهول عن المقاصد في مجرى التاريخ.
5- ولوع النفس بالأخبار الغريبة، وعدم تمحيصها وفحصها، ومطابقتها مع الحقائق الصادقة.
6- تلفيق الأخبار في سير القوم المشهورين، بدافع المحبة والتجلة لأولئك الأشخاص حتى يتأسى الناس بهم.
7- القياس والمحاكاة، فتحمل أخبار الماضين على ما يعرف ويشاهد في عصره، ويذهل عن أحوال العصور الراهنة في زمن المؤرخ أو ناقل الأخبار.
8- الجهل بقواعد العمران البشري وطبائع الأحوال الطبيعية.
ومهما يكن من شيء، فالذي يهمنا هو إظهار الاقتباس والتأثر والتأثير، والنقل عن ابن خلدون في آراء ونظريات الغربيين بعد النهضة، وأن ابن خلدون هو المؤسس الرائد لفلسفة التاريخ، وتتضح الصورة بجلاء شديد عندما يتحدث عن قواعد المنهج في دراسة التاريخ عند كل من:
 ابن خلدون
 فرانسيس بيكون.
 (فيكو).
- فمن أوهام ابن خلدون، وأسباب الخطأ في مناهج قدامى المؤرخين.
- إلى أوهام فرانسيس بيكون في " الأرجانون الجديد ".
- وإلى أوهام ((فيكو)) في العلم الجديد.
فلم يكن ((فيكو)) ولا (بيكون) ولا (ديكارت) هم الذين أسسوا قواعد المنهج العلمي في دراسة التاريخ، وإنما يرجع الفضل في ذلك بوضوح إلى ابن خلدون، وإلى قواعد المنهج عنده، وكذلك أسباب الخطأ والنسيان.
قواعد المنهج عند ابن خلدون
قواعد ابن خلدون في المنهج، كان لها أبعد الأثر في الفكر الغربي الحديث، لأن المقدمة كما أسلفنا قد ترجمت إلى العبرية واللاتينية منذ نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي، وكان لهما أبعد الأثر في جامعات جنوب إيطاليا وصقلية، وجامعات باريس (السربون) وجامعات بريطانيا، خاصة جامعة أكسفورد.
ولا شك عندنا أن:
• ديكارت كان متأثراً بها عندما كتب كتابه المشهور "مقال في المنهج" Discourse on Method) A) .
• وفرانسيس بيكون كان متأثراً بابن خلدون عندما كتب كتابه (الأرجانون الجديد) (The Nouvom Organum).
• و(قيامبسيا (فيكو)) كان متأثراً بابن خلدون عندما كتب كتابه (العلم الجديد).
• وكذلك كتابات كل من (جون استيوارت مل)، و(إمانويل كانط)، (لينتز الألماني) وغيرهم من الأوربيين.
ولذلك فلا شك لدينا أن ابن خلدون هو مؤسس:
- علم فلسفة التاريخ.
- وعلم الاجتماع البشري.
- وعلم الجغرافيا البشرية.
- وغيرها من العلوم.
وهو لذلك أستاذ أولئك العلماء الأوربيين، ومن زمن النهضة الأوربية الحديثة، وكذلك علماء حركة التنوير في القرنين السابع والثامن عشر في أوروبا، من أمثال جاك روسو، وفولتير، ودبدرو، وكندرسية، وفرانسيس بيكون، وقياميتسيا (فيكو)، وازوالد اشينجلتر، وكذلك آرتنولد توينبي، وغيرهم كثر.
ولا يمكن أن يكون ((فيكو)) هو مؤسس علم فلسفة التاريخ، ولا (كونت) هو مؤسس علم الاجتماع، هذا من أجل تعديل الوثائق العلمية والسجلات الأكاديمية، وإعطاء كل ذي حق حقه، والاعتراف بالفضل لأهله، ولا يعني ذلك بالطبع أن هؤلاء العلماء الأوربيين لم يضيفوا شيئاً إلى المعارف الإنسانية، فالعكس هو الصحيح، من ذلك فقد طور هؤلاء الأوربيون الأجلاء بتطوير العلوم الاجتماعية إلى درجات كبيرة جداً، غير أننا ما زلنا اليوم ننتظر أن نؤسس عليها العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، وهذا لا يقوم على فرضية (دارون)، ومن لفة لفة : ان الإنسان ليس شياً سوى حيواناً ذكياً ومتقدماً ، لا يختلف في النوع من الحيوان الأصم الأبكم إلا من حيث الدرجة فقط.
بين ابن خلدون و(فيكو) (من الذي يصنع التاريخ) ؟
بينما نجد أن ابن خلدون يخلق نوعاً من التوازن (عبر ديوان المعتبر) بين المشيئة الإلهية في التاريخ، وبين سعي الإنسان وكسبه، بمعنى أنه لا يوازي بين مشيئة الله ومشيئة الإنسان، فمشيئة الله هي بلا أدنى شك الغالبة، وهي المهيمنة، ولكن يظل للإنسان أثر وكسب وسعي، وأن الإرادة الأزلية لله قد أعطت للإنسان إرادة ومشيئة، ضمن الإطار الكلي للخلق، وكانت مشيئته تعالى أن يكون للإنسان جوانب من الفعل الإنساني، وجوانب الترك ومشيئة الاختيار.
قال تعالى:
{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ...}الكهف: 29 .
ومعنى ذلك أن الله أراد، وضمن الإطار الكلي للمشيئة الإلهية، وأن تكون هنالك مساحة من الحرية للإنسان، هامش للحرية الإنسانية إن صح التعبير.
وفي الإطار نفسه نجد أن ((فيكو)) الإيطالي، وهو الأكثر تأثراً بابن خلدون، يوازن بصورة دقيقة بين العناية الإلهية في التاريخ، وبين مشيئة الإنسان وسعيه وكسبه. فبينما هو يذهب إلى القول بأن الله هو صانع الكون الطبيعي، ولذلك هو الأكثر علماً به، إلا أن الإنسان هو صانع التاريخ في المقام الأول، وهو الأكثر علماً وإدراكاً بقوانينه وسننه، والقوى التي تتحكم في مساره، و((فيكو)) كان قد وضع قاعدة مفادها: أن من صنع شيئاً فهو الأكثر قدرة لفهم طبيعة ذلك الشيء المصنوع، والطريقة التي يعمل بها، ولكنه –أي (فيكو)- بعد ذلك يعطي دوراً للعناية الإلهية في التاريخ، فالعناية الإلهية هي التي تعطي العالم النظام الكلي والتدبير الخالد، الذي ينظم الجزئيات في انساق كلية.. من دون علم الإنسان ومن دون تدخل منه... ولقد كانت تلك القوى الكامنة في ضمير الكون، والتي من شأنها أن تلهم الإنسان الذي في طور البدائية وفي حال الحيوانية- استطاعت أن تلهمه معاني النظام والسلام والتعايش السلمي، وقبول مبادئ المدنية والحضارة والاحتكام إلى القانون. يقول ((فيكو)) في هذا الصدد:
Our New Science must therefore be a demonstration, so to speak, of the historical fact of Providence, for must be a history of the forms of order which, without human discernment or intent, and often against the design of man, Providence has given to this great city of the human race. For though this world has been created in time and particular, the order established therein by Providence are universal and eternal.

وليس غريباً أن يسعى ((فيكو)) لإيجاد توافق بين المشيئة الإلهية الشاملة الكونية المطلقة، وبين الإرادة البشرية ضمن هذه المشيئة الإلهية المطلقة، ولا تناقض، لأن الله هو الذي منح الإنسان هامشاً من الحرية للفعل والكسب، كي يستطيع أن يقوم بالتكليف الإلهي الذي حمله الإنسان، وأبت السموات والأرض والجبال أن يحملنه، وأشفقن منه!.
ذلك أن ((فيكو)) كما أسلفنا القول، متأثر أشد التأثر بابن خلدون من جانب، وبالتوراة والكتب المقدسة من جانب آخر، وكل تلك المصادر تعطي الإنسان قدراً من الحرية والمشيئة والاختيار، فضلاً وجوداً ورحمة من الله العزيز الحكيم.
قال تعالى:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}الأحزاب:72 .
إن العناية الإلهية (Providence) تنظم الأطر الكلية والقوانين الشاملة، وما يتضمن النظام والأطر والتناسق في الكون، ولكن ضمن هذه القوانين الشاملة (الأنساق الكلية) هنالك نسق يقول إنه سيكون للإنسان مشيئة واختيار، وأن هذه الحرية والاختيار محسوبة ومسموح بها، وهي إحدى الأنساق الكلية للكون والحياة، وهكذا فلا تناقض بين المشيئة الإلهية المطلقة، وبين الحرية الإنسانية المحسوبة المحدودة.
من الذي وضع فلسفة التاريخ ابن خلدون أم (فيكو)
الناظر في أعمال الفيلسوف الإيطالي قيامباتيستا (فيكو) Giambatista Voco (1665-174م.) وخاصة درته الموسومة (العلم الجديد The New Science) وبالإيطالية وهو العنوان الأصلي (Nuovi Sienza) لا يمكن ان يزعم أن (فيكو) هو مؤسس علم فلسفة التاريخ، لأن اهتماماته الرئيسة في تلك المؤلفات- خاصة العلم الجديد- ليس التأمل في علم التاريخ والقوانين أو الاتجاهات والقوى التي تتحكم في مسيرته. والواقع أنه كان أكثر اهتماماً بمسألة التطور التاريخي للبشرية، ومراحل هذا التطور في حياة الناس، وفي فكرهم واعتقاداتهم وسلوكهم. فهو يهتم:
- أولاً: يهتم بأنواع الحكومات وأقسامها The Types of Governments .
- ثانيا: يهتم كذلك بالتطور اللغوي لدى الإنسان منذ فجر التاريخ، ويرى كذلك أن تلك المراحل اللغوية هي أيضاً في ثلاث مراحل Three Types of langues were Spoken
- وفي المقام الثالث هو مهتم بالتطور التاريخي في فقه الدستور العام، أو في الفقه القانوني الدستوري وتطوره منذ فجر التاريخ، وفي تناغم وتوافق مع نظرية لتطور أنواع الحكومات وأنواع اللغات، فهو يرى أن الفقه القانوني قد أخذ ثلاث مراحل في تطوره Three Types of Jurisprudence.
وأوضح أن تلك المواضيع وتلك المسائل ليست لها صلة مباشرة بمسألة فلسفة التاريخ، وفهم جوهر التطور التاريخي في حد ذاته.
ويرى (فيكو) في كتابه (العلم الجديد) أن العالم من خلال تطوره في مراحل ثلاث قد مر بنظم ثلاثة: (1) فى الحكومات (2) فى اللغات (3) وفى فقه القانون.
وأن هذا التطور مر بتناغم تام بين تلك النظم أو المستويات الثلاث في الحكم واللغة والقانون، ولقد ترجم العلامة قاردينر (باتريك) Patrick Gardiner كلام (فيكو) من الإيطالية إلى اللغة الإنجليزية على النحو التالي:
Three Types Government, Language, and Jurisprudence. So this New Science or metaphysic pondering the common nature of nations in the light of divine Providence, having discovered such origins of divine and human things among the gentile nations, establishes thence a system of the natural law of nations, which proceeds with the greatest equality and constancy through the three ages which the Egyptians handed down to us as the three periods through which world had passed up to their time. These are: (1) the Age of the Gods, in which the gentiles believed they lived under divine governments, and everything was commanded them by auspices and oracles, which are the oldest things in profane history. (2) the Age of the Heroes, in which they reigned everywhere in aristocratic commonwealths, on account of certain superiority of nature which they held themselves to have over the plebs. (3) the Age of Men, in which all men recognized themselves as equal of human nature, and there for there were established first the popular commonwealths and then the monarchies, both of which are forms of human government as we observed a short while ago.
In harmony with these three kinds of nature and government, three kinds of language were spoken which compose the vocabulary of this Science: (1) That of the time of the families when gentile men were newly received into humanity. This we shall fined, was a mute language of signs and physical objects having natural relations to the ideas they wished to express. (2) that spoken by means of heroic emblems, or similitudes, comparisons, images, metaphors, and natural description, which make up the great body of the heroic language which was spoken at the time the heroes reigned. (3) Human language using words a greed upon by the people. A language of which they are absolute lords, and which are popular commonwealths and monarchical states; a language whereby the people may fix the meaning of the laws by which the nobles as well as the plebs are bound. Hence, among all nations, once the laws had been put into the vulgar tongue, the science of laws passed from the control of the nobles..
Along with these three languages-proper to the three ages in which three forms of government prevailed. conforming to three types of civil natures, which succeed one another as the nations run their course-we find there went also in the same order a jurisprudence suited to each in its time.
Of these (three types of jurisprudence) the first was mystic theology, which prevailed in the period when the gentiles were commanded by the gods. Its wise men were thr theological poets (who are said to have founded gentile humanity) who interpreted the mysteries of oracles, which among all nations gave their responses in verse…
The Second was the heroic jurisprudence, all verbal scrupulosity (in which Ulysses was manifestly expert). This jurisprudence looked to what the Roman jurisconsults called civil equity and we call reason of state. With their limited ideas, the heroes thought they had a natural right to precisely what, how much and of what sort had been set forth in words; as even now we may observe in peasants and other crude men, who in conflicts between words and meanings obstinately say their right stands for them in the words…
The last type of jurisprudence was that of natural equity, which reigns naturally in the free commonwealths , where the peoples, each for its particular good (with out understanding that is the same for all), are led to command universal laws. They naturally desire these laws to bend benignly to the least details of matters calling for equal utility..
ولقد تناقل الفلاسفة الاجتماعيون في أوروبا هذه الفكرة الثلاثية عن تطور الجنس البشري:
1) فترة اللاهوت أو حكم الآلهة.
2) فترة الأبطال أو حكم الأبطال.
3) فترة الحكم الشعبي والديمقراطي، حيث تحكم عامة الناس، ويؤكدون على مبادئ المساواة في الاستفادة من الموارد، ونجد هذه الفكرة عند ((منتسكيو)) في المراحل الثلاث التي مرت بها البشرية في سنها وإنشائها للقوانين، تعكس في طبيعية نوع القوانين التي يسنها ويشرعها، يقول (منتسكيو):
هناك ثلاثة أنواع من الحكومات:
1- الجمهورية Republic
2- الموناركية الملكية Monarchic .
3- الاستبدادية Despotic.
• ففي الحكومة الجمهورية يستحوذ على السلطة السياسية جزء واحد فقط من عامة الناس.
• وفي ظل الحكومة المناركية الملكية يتحكم شخص واحد فقط، في ظل قوانين محددة ومقررة.
• أما في ظل الحكومة الاستبدادية، يحكم شخص واحد ويتحكم في منفرداً في الأمر بمشيئته وميوله وأهوائه الشخصية:A single person directs every things by his own will and caprice.
أما ( أوجست كونت )، العلامة الفرنسي والذي يعد في أوروبا والعالم العربي واضع علم الاجتماع الحديث، على قواعد علمية وطبيعية. فقد اهتم كونت بمنظور المجتمع البشري من خلال ثلاث حقب كبيرة، يقول ( كونت Cont ) :
بناءً على طبيعة العقل الإنساني نفسها، لا بد لكل فرع من فروع معلوماتنا من المرور في تطوره بثلاث حالات نظرية مختلفة متتابعة:
1) الحالة اللاهوتية الخرافية.
2) الحياة الميتافيزيقية المجردة.
3) الحالة العلمية أو الوضعية.
ويتابع أوجست كونت حديثه وشرحه لقانون الحالات الثلاث التي تميز وتطبع التطور التاريخي للمجتمعات:
وبعبارة أخرى يستخدم العقل الإنساني (بطبيعته) في كل بحث من بحوثه، ثلاث طرق فلسفية متتابعة يختلف طابعها اختلافاً جوهرياً، بل قد يكون مضاداً وهي:
أولاً: الطريقة اللاهوتية.
ثانياً الطريقة الميتافيزيقية.
أخيراً: الطريقة الوضعية.
لكن (البارون مونتسكيو) وهو سابق لعهد (أوجست كونت)، وغيره من علماء أوروبا والعالم الغربي، يقرر أن الحكومات ينبغي أن تسن القوانين التي تحمي مبادئ العدالة والمساواة... بينما يصر أرسطو أن الحكومات الصالحة هي الملكية (الموناركية) والأرستقراطية، وهي كذلك أحق بالتوقير والاحترام، وتعتبر أيضاً من الحكومات الصالحة.
وأخيراً فإن أرسطو يحبذ الديمقراطية بمجرد القول باللسان، ولكنه انحاز إلى حكومة أرستقراطية، أما البارون (منتسكيو) فيميل بطبيعة الحال إلى الحكومة الديمقراطية التي تطرح مبدأ العدالة والمساواة، وتسن وتضع القوانين التي تحرس روح تلك المبادئ وتعمل على تطبيقها. والبارون (منتسكيو) يدافع عن مبدأ فصل السلطات، وقد سبقه أرسطو في ذلك، وطبق هذا المبدأ في دولة الخلافة الراشدة على عهد علي رضي الله عنه.

(والبارون (منتسكيو)) مثله في ذلك مثل ابن خلدون، يعطي البيئة الطبيعية والمناخ والتربة والطعام، دوراً كبيراً في تشكيل الشخصية الاجتماعية للبشر، وتشكيل أنواع السلالات والقبائل، وكذلك لون البشرة والمزاج لدى الأفراد والجماعات.
ويشدد البارون على تفوق إنسان المناطق الباردة على إنسان المناطق الحارة بسبب أن الحيوية تزيد في المناخ البارد، وهذا المزيد من القوة، يجب أن يكون له كثير من النتائج فتزيد:
• الثقة بالنفس
• الشجاعة.
• الإحساس بالتفوق.
• تقلل من الرغبة في الانتقام.
• تزيد الإحساس بالطمأنينة.
• وتزيد من الصراحة.
• وقدر أقل من الشكوك.
• وتزيد من الدبلوماسية (التصنع) والمكر.
أما سكان المناطق الحارة فيتميزون، بالخجل، وقلة الجسارة والإقدام، فهم في ذلك كالعجائز الذين لا يحبون المغامرة بشيء. بعكس سكان المناطق الباردة، فهم شجعان وعندهم الشباب إقدام ومخاطرة.
وبلغة (روح القوانين) ترجمة توماس نوقنت Thomas Nugent :
Cold air constringes the extremities of external fibers of their elasticity, and favors the return of the blood from the extreme parts to the heart. It contracts Those very fibers consequently it increases also their farce; On the contrary , warm air relaxes and lengthens the extremes of the fibers, of course it diminishes their force and elasticity.
People are therefore, more vigorous in cold climates. Here, the action of the heart and the reaction of the extremities of the fibers are better performed, the temperature of the humans is greater, the blood moves more freely towards the heart, and reciprocally the heart has more power. This superiority of strength must produce more carious effects:
• For instance, a greater boldness that is more courage.
• a greater sense of superiority that is les desire of revenge .
• a greater opinion of security, that is more frankness, les suspicion, policy and cunning in short, this must be productive of very different tempers. Put a man in a warm close place and for the reasons above given he will feel a great faintness.
If under this circumstance you propose a bold enterprise to him, I believe you will find him very little disposed towards it, his present weakness will throw him into despondency; he will be afraid of every thing, being in a state of total incapacity. The inhalations of warm countries are like old men timorous the people in cold countries like young men brave.
وكلمات البارون (منتسكيو) هنا توحي وكأن ابن خلدون هو الذي يتكلم. إلا أن ابن خلدون كثيراُ يبالغ في تأثير البيئة الطبيعية على سلالات بني الإنسان، وكذلك ألوانهم وأساليب تفكيرهم وحياتهم.
ومهما يكن من تأثر (منتسكيو) بابن خلدون فلا شك أن تأثره –في رأي أرسطو- أكبر بكثير:
فمن المسائل الجوهرية التي ناقشها (منتسكيو)- في روح القوانين- التي تذكرنا بقوة بكتاب السياسة عند أرسطو مسألتان تذكرانا بقوة بكتاب السياسة عند أرسطو، وهما: مسألة أنواع الحكومات الصالحة، ومسألة فصل السلطات الثلاث، أما أنواع الحكومات الصالحة فهي ثلاث عند منتسكيو:
• الحكومة الجمهورية
• الحكومة الموناركية (الملكية)
• الحكومة الاستبدادية.
وكان تقسيم أرسطو يختلف نوعاً ما عن تقسيم (منتسكيو)، يقول أرسطو: إن أنواع الحكومات الصالحة ذات الدساتير الجيدة of Good Constitution هي أنواع ثلاث:
(1) الموناركية ــــــــ Monarchy.
(2) الأرستقراطية ــــــ Aristocracy.
(3) الشعبية ـــــــــ Polity.
والحكومات الطالحة (السيئة) أيضاً ثلاث أنواع:
(1) الاستبدادية ــــــــTyranny .
(2) حكومة الأقلية ـــــــOligarchy.
(3) الديمقراطية الغوغائية ــــــExtreme Democracy .
والديمقراطية هي حكم الفقراء.. أما الأولغارية فهي حكم الأغنياء، وأرسطو يصف النظام الموناركي بأنه نظام بائد وبدائي ولا يصلح إلا لحكم الشعوب البدائية، فهو يفضل ذلك اللون من الموناركية الذي لا يكون على رأسه ملك واحد مطلق السلطات، وهو يقول إن البعض يفضلونه، ولكنهم مخطئون في رأيه لأن الملك المطلق يؤدي في كثير من الأحوال إلى استغلال السلطة استغلالاً سيئاً
(the absolute king will abuse his political power).
وهذا الاستغلال يكون أقل إذا كانت الموناركية يشارك فيها أكثر من ملك واحد مطلق السلطات، كما أن الملكية المطلقة غالباً ما يكون عملها بالنظام الوراثي وتؤول السلطة إلى رجل واحد ليس أكثر كفاءة من أقرانه المساوين له في القدرات، ثم أن هذا الملك الذي يرث الملك والسلطة قد يحكم بأهوائه، وأضف إلى ذلك أن فرداً واحداً لا يمكنه أن يقوم بكل واجبات الحكومة.
أما عن الحكومة الأرستقراطية: فهي حكم الأقلية المميزة، وفيها يحكم الأحسن والاجود والاجدر the best men only أما عن الحكومة الشعبية أو الوطنية فهي في رأي أرسطو نوع من التوسط بين الأولوجارية والديمقراطية (Polity in a compromise between Democracy and Oligarchy, but inclines towards the Democratic side Many So called Aristocracies are really Politics”

المسألة الثانية والتي يوليها (منتسكيو) اهتماماً كبيراً فهي مسألة فصل السلطات الثلاث:
(1) الحكومة التنفيذية.
(2) السلطة التشريعية.
(3) السلطة القضائية.
وهذا الفصل في السلطات يعتبر إسهاماً وإبداعاً كبيراً من أرسطو في كتابه السياسة، و(منتسكيو) يقتبسه من دون التنويه المناسب به، ومن دون الاعتراف بالفضل لأهله، بل على العكس من ذلك، فإن (منتسكيو) يذكر أرسطو بما يشبه الذم، فهو يقول:
“ Aristotle is greatly puzzled in treating of monarchy. He makes five species, and he dose not distinguish them by the form of the constitution, but by things merely accidental, as the virtues and the vices of the prince, or by things extrinsic such as tyranny or inherited.
Among the number of monarchies he (Aristotle) ranks the Persian Empire over the kingdom of Sparta. But is it Not wrong that the one was a despotic state, and the other a republic??
The ancients (reference here is apparently to Aristotle). Who were strangers to the distribution of the three powers in the Government of a single person, could never form a just idea of monarchy”.

وليس هذا الذي يحمل (منتسكيو) للتحامل على أرسطو بهذه الطريقة في الفقرة أعلاه، إلا ما يعرف بـ(الغيرة) لدى العلماء والفلاسفة، بعضهم من بعض، وكان الأولى والأجدر بـ(منتسكيو) الاعتراف بفضل أرسطو، لأنه هو الذي ألهمه النظريتين الجوهريتين في كتابه روح القوانين وهي:
(1) الأنواع الثلاثة للحكومات الصالحة.
(2) فكرة الفصل بين السلطات الثلاث للدولة.
ومهما يكن من شيء، فقد كان (منتسكيو) يحظى باحترام شديد ليس فقط في أوروبا وفرنسا، ولكن أيضاً في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلاد التي كانت تتحدث الإنجليزية، وكتاب (روح القوانين) كان مقدراً جداً، وقد حظي باستقبال رهيب، وتوزيع عظيم، حتى أنه حقق 22 طبعة (اثنين وعشرين) في وقت قصير، كما جاء في المقدمة الطويلة جداً التي كتبها (فرانكس نيومان Francz Neuman ) من جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية، لكتاب (روح القوانين).
تلك المقدمة التي هي في الواقع دراسة مختصرة للكتاب كله، وتقع في 64 صفحة بالتمام والكمال، والاسم الكامل للبارون (منتسكيو) هو شارلس لويس (منتسكيو) Charles Lewis de Secondat وكان ميلاده في الثامن عشر من يناير 1689 في بلدة (بريدي Brede).
شخصية (منتسكيو) ومكانته
يبدو أن الفيلسوف ((منتسكيو)) كان يتمتع بنفوذ فكري وسياسي عظيم في فرنسا، وحتى جميع أنحاء أوروبا، خاصة في بريطانيا، قال عنه محرر كتاب روح القوانين "فرانس نيومان (Franz Neumann): ودفعه حبه وتعطشه للمعرفة الذي لا يعرف الحدود Insatiable thirst إلى تكثيف اهتماماته العلمية والمعرفية (الفيزياء- الفيزيولوجي- الجيولوجيا..) وغيرها من العلوم، ولقد كتب في ذلك الكثير من الأبحاث الجيدة. وهذه الأبحاث التي حررها (منتسكيو) لتكشف لنا عن عظيم تأثره بكل من ديكارت ومالبرانش، وفوق ذلك تكشف عقلاً متوقداً تواقاً للمعرفة، وفي بحث مستمر عن الحقيقة.
“ His instable thirst for knowledge drove him ever to expand his scientific interests: a large number of papers on physics, physiology, geology and other natural sciences are extant. They reveal the deep empress of the philosophy of Descartes and Malebranche, and a mind in constant search for truth”
ولكن كان يعرف عن (منتسكيو) أنه كان خجولاً لدرجة تثير الشفقة والإحراج، كما أنه لم يكن يأبه للدين (الكنيسة الكاثوليكية) إطلاقاً، وهذه كانت سمة عامة لمفكري عصر النهضة والتنوير في أوروبا وفي فرنسا خاصة، لأنه كانت هنالك حرب مفتوحة بين الكنيسة من جانب والعلماء والمفكرين من جانب آخر، وقد وصلت إلى حد محاكم التفتيش وحرق العلماء والفلاسفة أحياءً!!
كما كان يؤخذ على (منتسكيو) أنه يتبجح بعلاقته الآثمة بأخته التي اتخذها عشيقة له !! وقال أنه لا يرى أن الزنا بالمحارم شيء قبيح، ولا يعتقد أن الكنيسة محقة في تحريم الزنا بالمحارم (Incest).
(فيكو) و(منتسكيو) (1755-1689)
الذي يهمنا هنا أن (منتسكيو) وآراؤه في التطور التاريخي للمجتمعات البشرية في ثلاثة أطوار، والذي يتجلى في شكل الحكومات الثلاث، وأقدمها المناركية (1668-1744). فربما أخذ (منتسكيو) هذه الأفكار من ((فيكو))، وقد تعاصر الرجلان. وإن كان (فيكو) أكبر من (منتسكيو) بعشرة أعوام تقريباً، ولكن لا يعرف على وجه التحديد من هو الأكثر تأثيراً على صاحبه.
فلقد اشتهر (فيكو) بنظريات في المستويات الثلاثة للحكم، والمستويات الثلاثة للغة، والمستويات الثلاثة للقانون الدستوري والتشريع، والتي شرحها في كتابه (العلم الجديد). ففي التشريع القانوني فالتطور يمر بثلاثة أطوار:
(1) الطور الأول: التشريع اللاهوتي، وفيه يكون الآلهة والكهنة والفلاسفة هم المشرعون.
(2) الطور الثاني: حيث يكون النبلاء والأبطال هم المشرعون.
(3) الطور الثالث: حيث يكون المشرعون هم عامة الناس.
ويرى (فيكو) أن هؤلاء المشرعين في الطبقات الثلاث لا بد لهم من الاستفادة من بعضهم البعض، وبهذا التفاعل فإنهم ينجحون بنسبة 50% فقط في أعمالهم.
ويرى (فيكو) أنه فقط بتعاون الفلاسفة وأهل اللغة يمكن للجميع اكتشاف(القانون الطبيعي للأمم)، لأن أصول هذا القانون موجودة في فطرة الناس، وفي الفهم العادي للناس. The universal common sense of people
أو ما أسماه:(The Primitive Reason of man)
Or (The Apriori Reason of man)
Or: again (The original Reeson) .
وهذه فكرة أخذت أولاً عند الإمام الغزالي المتوفى 505هـ رحمه الله القائل: (العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس) وأخذها منه ديكارت (العقل البدهي الأولي هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس). وتكسب كل الأمم هذا القانون الطبيعي للأمم كل على حدة، لأنه أصلاً مركب في العقل الأولي البدهي لكل الشعوب، ولكن القول بأن أمة واحدة هي فقط التي اكتشفته وعلمته الأمم الأخرى، وهذا ليس صحيحاً وهو قول مردود.
والقول إن الإغريق هم الذين اكتشفوا لائحة القوانين الاثني عشر The Twelve Tables، وأنهم هم الذين نقلوا هذا القانون إلى الرومان قول غير صحيح، وهو قول مردود ولو كان هذا القانون قد اكتشفه الإغريق ومن ثم نقل إلى الرومان، لكانت طبيعة هذا القانون أقرب إلى القانون المدني وليس القانون الطبيعي.
(فيكو) والقانون الطبيعي
لقد رأينا الاهتمام الكبير الذي شغل (فيكو) بمسالة العلاقات بين مستويات ثلاثة من مستويات تجليات الظاهرة الاجتماعية، ألا وهي:
(1) المستويات الثلاثة للحكم ولأنواع الحكومات.
(2) المستويات الثلاثة للغة الطبيعية.
(3) المستويات الثلاثة للتشريع والفقه والدستور Jurisprudence.
وفي المقام الثاني كان اهتمامه كثيراً في تعريف القانون الطبيعي للأمم، وكيف يمكن اكتشافه، وما الفرق بين القانون الطبيعي للأمم والقانون المدني.
فبينما القانون الطبيعي-عند (فيكو)- مركوز في فطرة الأمم والجماعات، وكل أمة من الأمم تستطيع اكتشاف هذا القانون إن هي تدبرت ما عندها من علوم طبيعية وأفكار أولية فطرية. وليس صحيحاً في شأن القانون الطبيعي أن أمة من الأمم قد بادرت باكتشافه، ومن ثم نقلته إلى الأمم، كما هو الادعاء أن الإغريق هم الذين اكتشفوا القانون الطبيعي للأمم، ومن ثم نقلوه إلى الروم. فكل أمة من الأمم تكتشف هذا القانون الطبيعي للأمم بطريقتها الخاصة بها.

(فيكو) والأهمية الجوهرية للفلسفة
يكثر (فيكو) من الثناء على الفلسفة والإشادة بها، وبدورها في اكتشاف الحقيقة المجردة، ويقول إن غاية الفلسفة هي الوصول إلى الحكمة بواسطة التأمل والتفكر ومعرفة الحقيقة، واكتشاف الحكمة وراء الأشياء والحوادث هذه هي الفلسفة.
أما اللغة فينتهي دورها عند معرفة اللغات والسلوك والعادات لدى الناس عامة، وكذلك معرفة أحوال العامة وسلوكهم وعاداتهم. ويرى (فيكو) أن أهل الفلسفة واللغة لو تعانوا فيما بينهم لأمكنهم اكتشاف هذا العلم الحديث الذي بيناه في كتابنا عن العلم الجديد (Nuovia Sienza).
ويرى (فيكو) كذلك أنه لو أن أهل الفلسفة وأهل اللغة تعاونوا فيما بينهم لأمكنهم كذلك اكتشاف القانون الطبيعي للأمم قبليا (أي قبل (فيكو) وقبل تأليفه للكتاب (العلم الجديد).
فما هو هذا قانون الذي أسماه (فيكو) قانون الأمم؟.
ومن إشارات (فيكو) لقانون الأمم هذا يبدو أنه القانون المختص بأصول القوانين، وأصول التشريع، هذه الأصول ليست فيما يبدو سوى بدايات التشريع لدى الأمم العبرانية، أو بداية التشريع عند أهل الكتاب- خاصة اليهود، وهو لعله الذي يمكن لنا أن نفهمه من إشارة (فيكو) للقوانين الأثني عشر، أو The Twelve Tables.
بل يذهب (فيكو) إلى أبعد من ذلك في كتابه (العلم الجديد) فيقول إن أصول هذا القانون الطبيعي هي أصول إلهية ربانية. وكذلك عادات الشعوب والأمم البدائية، هي من تعاليم الآلهة بواسطة الملائكة أو الرسل.
وعلى كل حال فهذه الأصول أو القواعد الأساسية لقانون الأمم أصبحت محفورة في وجدان كل الشعوب وفطرتها، أي هي الآن محفورة ومنقوشة في العقل الأولي البدهي لكل الشعوب، أو ما يسميه (فيكو): بالعقل الأولي العام المشترك في فطرة الشعوب:
The Universal Common Sense For All The Nations
وهذا بالطبع يذكرنا بما ذهب إليه كل من الغزالي "المتوفى 505هـ" وديكارت الفرنسي: (أن العقل الأولى هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس). وبذلك يقول (فيكو) بتأكيد قوي: إن الناس يخطئون عندما يظنون أن منشأ هذا القانون كان لدى أمة بعينها، وربما يقصدون الإغريق القدماء، وأنهم هم الذين ابتدعوه ونقلوه إلى الروم، ومن ثم انتقل إلى الأمم الأخرى.
ونخلص من كل ذلك إلى القول إن (فيكو) لم يكن هو الذي وضع علم (فلسفة التاريخ) وأن هذا الشرف هو بكل تأكيد هو من حق ابن خلدون، وهو نفسه يقول ذلك بلا أدنى تردد. يقول ابن خلدون إنه عزم على تأليف كتابه: "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر".
وقام بعد ذلك بكتابة المقدمة لهذا الكتاب، فهو يقول في تلك المقدمة إنه عزم على تأليف كتاب (العبر) بعد أن تبين له قصور ما كتبه السابقين من المؤرخين من أمة الإسلام ومن سبقهم من الأمم.
(ولما طالعت كتب القوم، وسبرت غور الأمس واليوم، نبهت عين القريحة من سنة الغفلة والنوم، وسمت التصنيف من نفسي وأنا المفلس أحسن السوم، فأنشأت في التاريخ كتاباً رفعت به عن أحوال الناشئة حجابا).
يقول ابن خلدون أيضاً منوهاً بطرافة ما كتب في كتاب العبر، وفي مقدمته: "وكأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وأعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، وأعثر عليه البحث، وأدى إليه الغوص، وليس من علم الخطابة الذي هو أحد العلوم المنطقية، فإن موضوع الخطابة إنما هو الأقوال المقنعة النافعة في استمالة الجمهور إلى رأي أو صدهم عنه. ولا هو أيضاً من علم السياسة المدنية، إذ أن السياسية المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه. فقد خالف موضوعه هذين الفنين الذين يشبهانه، وكأنه علم مستنبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة. ما أدري ألغفلتهم عن ذلك؟ وليس الظن بهم، أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه، ولم يصل إلينا؛ فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الإنساني متعددون؛ وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل. فأين علوم الفرس التي أمر عمر- رضي الله عنه- بمحوها عند الفتح؟ وأين علوم الكلدانيين والسريانيين؟ وأين علوم القبط من قبلهم؟ وإن ما وصل إلينا هي علوم أمة واحدة، وهم يونان وقد أمر المأمون بإخراجها من لغتهم واقتداره على ذلك بكثرة المترجمين، وبذل الأموال فيها، ولن نقف على شيء من علوم غيرهم.
وإذا كانت كل حقيقة متعلقة طبيعية تصلح أن يبحث عما يعرض لها من العوارض لذاتها، وجب أن يكون باعتبار كل مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصه، لكن الحكماء لعلهم إنما لاحظوا في ذلك العناية بالثمرات، وهذا إنما ثمرته في الأخبار فقط كما رأيت؛ وإن كانت مسائله في ذاتها واختصاصها شريفة، لكن ثمرته تصحيح الأخبار وهي ضعيفة؛ لهذا هجروه والله أعلم، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
وهذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب، مثل ما يذكره الحكماء والعلماء في إثبات النبوة من أن البشر متعاونون في وجودهم، فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع؛ ومثل ما يذكر في أصول الفقه، في باب إثبات اللغات، أن الناس محتاجون إلى العبارة عن المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع، وتبيان العبارات أخف، ومثل ما يذكره الخلفاء في تعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد في أن الزنا مخلط الأنساب مفسد للنوع، وأن القتل أيضاً مفسد للنوع، وأن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي إلى فساد النوع، وغير ذلك من سائر المقاصد الشرعية في الأحكام، فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران، فكان لها النظر فيما يعرض له، وهو ظاهر من كلامنا في هذه المسائل المماثلة.
وكذلك أيضاً يقع إلينا القليل من مسائله في كلمات متفرقة لحكماء الخليقة، لكنهم لم يستوفوه، فمن كلام الموبذان بهرام بن بهرام في حكاية البوم التي نقلها المسعودي: (أيها الملك، إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة، نصبه الرب وجعل له قيّماً وهو الملِك)- ومن كلام أنو شروان في هذا المعنى بعينه: (الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل، والعدل بإصلاح العمال، وإصلاح العمال باستقامة الوزراء، ورأس الكل بافتقاد الملك حال رعيته بنفسه، واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه)- وفي الكتاب المنسوب لأرسطو في السياسة المتداول بين الناس، جزء صالح منه إلا أنه غير مستوف ولا معطِ حقه من البراهين، ومختلط بغيره، وقد أشار في ذلك الكتاب إلى هذه الكلمات التي نقلناها من الموبذان وأنو شروان، وجعلها في الدائرة القريبة التي أعظم القول فيها، وهو قوله (العالم بستان سياجه الدولة، والدولة سلطان تحيا به السنة، السنة يسوسها الملك، الملك يعضده الجند، الجند أعوان يكلفهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، الرعية عبيد يكنفهم العدل، العدل مألوف وبه قوام العالم، العالم بستان...) ثم ترجع إلى أول الكلام، فهذه ثمان كلمات حكمية سياسية ارتبط بعضها ببعض، وارتدت أعجازها على صدورها، واتصلت في دائرة لا يتعين طرفها، فخر بعثوره عليها، وعظّم فوائدها، وأنت إذا تأملت كلامنا في فصل الدول والملك، وأعطيته حقه من التصفح والتفهم، عثرت في أثنائه على تفسير هذه الكلمات، وتفصيل إجمالها مستوفي بينا بأوعب بيان وأوضح دليل وبرهان، أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا فائدة موبذان. وكذلك تجد في كلام ابن المقفع، وما يستطرد في رسائله من ذكر السياسات، الكثير من مسائل كتابنا هذا غير مبرهنة كما برهناه، إنما يجليها في الذكر على منحى الخطابة في أسلوب الترسل وبلاغة الكلام- وكذلك حوّم القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتاب (سراج الملوك) وبوّبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله، لكنه لم يصادف فيه الرمية ولا أصاب الشاكلة، ولا استوفى المسائل، ولا أوضح الأدلة، إنما يبوب الباب للمسألة، ثم يستكثر من الأحاديث والآثار، وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس مثل برزجمهر والموبذان، وحكماء الهند، والمأثور عن دانيال وهرمس، وغيرهم من أكابر الخليقة، ولا يكشف عن التحقيق قناعاً، ولا يرفع بالبراهين الطبيعية حجاباً، إنما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ، وكأنه حوّم على الغرض ولم يصادفه، ولا تحقق قصده، ولا استوفى مسائله.
ونحن ألهمنا الله ذلك إلهاماً، وأعثرنا على علم جعلنا سنّ بكره، وجهينة خبره. فإن كنت قد استوفيت مسائله، وميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه، فتوفيق من الله وهداية، وإن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغير مسائله، فللناظر المحقق إصلاحه، ولي الفضل أني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق، والله يهدي بنوره من يشاء" انتهى كلام ابن خلدون.

خلاصة وخاتمة
على الرغم من ادعاء معظم المفكرين الغربيين وبعض المفكرين العرب والمسلمين ومنهم: (طه حسين- ولويس عوض) بأنه لا مناص من الاعتراف لابن خلدون بأنه واضع علم (فلسلة التاريخ) وقد اعترف له بذلك جهابذة المستشرقين والمفكرين الغربيين ومنهم:
(1) آرنولد توينبي.
(2) الدكتور البريطاني المؤرخ العظيم فلوريت Flurit في كتابه (تاريخ فلسفة التاريخ).
(3) جاستون بوتول الفرنسي في كتابه (ابن خلدون: فلسفته في التاريخ.
(4) كارادي فو في كتابه (مفكرو الإسلام).
(5) ايف لاكوس Lost في كتابه (ابن خلدون).
ومن العرب الذين اعترفوا لابن خلدون بالريادة في تأسيس علم (فلسفة التاريخ):
• ساطع الحضري في كتابه الرائع (دراسات عن مقدمة ابن خلدون).
• الدكتور عبد الله كنان في كتابه( ابن خلدون حياته وتراثه الفكري).
أما طه حسين فقد نفى أن يكون ابن خلدون رائداً لعلم الاجتماع، ولم ينشغل كثيراً بمسألة من أتى بعلم فلسفة التاريخ.
سبحانك اللهم ونحمدك، اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك، واصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين.



المصادر والمراجع
(1) القرآن الكريم
(2) آرلوند تويمبي A study of History
(3) إمانويل كانط The Idea of a universal History from cosmopolitan pointqueis
(4) باتريك قاردينر- – Theories of History Free Press, New York
(5) جوهان هيردر Ideas toward a philosophy of the History of man
(6) د. حسن الساعاتي- علم الاجتماع الخلدوني قواعد المنهج- دار النهضة العربية للطباعة والنشر- بيروت 1981م.
(7) ابن خلدون في المقدمة وتاريخ المعتبر
(8) ابن خلدون- عبد الرحمن بن محمد- مقدمة ابن خلدون-تحقيق د. علي عبد الواحد وافي- الجزء الأول- دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع. 2006
(9) د. زينب الخضيري- فلسفة التاريخ عند ابن خلدون- القاهرة- دار الثقافة للنشر والتوزيع.
(10) د. سفيلانا باتسيفا- العمران البشري في مقدمة ابن خلدون- ترجمه عن الروسية رضوان إبراهيم.
(11) د.عبد الرحمن بدوي- مؤلفات ابن خلدون- الدار العربية للكتاب –ليبيا- تونس
(12) د.عماد الدين خليل- ابن خلدون اسلامنا
(13) كوندرسيه Nicolas Condorcet في كتابه The progress of the Human Mind
(14) ليفي بريل- فلسفة أوجست كونت- ترجمة د. محمود قاسم / ود. السيد محمد بدوي–الطبعة الثانية- مكتبة الانجلو المصرية.
(15) د. محمود اسماعيل- نهاية أسطورة ابن خلدون- دار قباء للطباعة والنشر -القاهرة
(16) د. محمود إسماعيل- هل انتهت أسطورة ابن خلدون- دار قباء للطباعة والنشر -القاهرة
(17) د. محمود صبحي_ فلسفة التاريخ
(18) د. محمود سعيد الكردي- ابن خلدون مقال في المنهج التجريبي- المنشأة العامة للنشر والتوزيع- طرابلس –ليبيا.
(19) د. مصطفى الشكعة- الأسس الفكرية في فكر ابن خلدون ونظرياته.
(20) مونتسكيو- روح القوانين- ترجمة توماس نوقنت
-Hafner Publishing Company – New York
(21) أبو نصر الفارابي
(22) هيجل Philosophical History Translated from German by J. Sibree
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية فلسفة التاريخ في الخطاب القرآني من منظور الابتلاء الإلهي الأنماط الإدارية في السودان لمستويات الحكم دون المركز (الحكم اللامركزي) المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim