القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
اوراق بحثية > تأثير القيم الدينية على الاكتشافات العلمية

تأثير القيم الدينية على الاكتشافات العلمية

ورقة علمية بعنوان:تأثير القيم الدينية على الاكتشافات العلمية
مداخلة مع إشكالات الفكر العلمي الوضعي
الدكتور: محمد مجذوب محمد صالح

تمهيد : مما لا شك فيه إن الكشوف العلمية التي قدمتها العلوم الأوربية الحديثة قد قدمت أدوات وأجهزة علمية جديدة ذات إمكانيات عالية، الأمر الذي قد قاد في جانب من استخدامه إلى أغراض مفيدة للبشرية وأخرى أدت إلى الدمار وتلوث الكون وإفساد الأرض مما يعطي شعوراً بخيبة الأمل الذي علق على العلم وعلى تطبيقاته العلمية في الوقت الذي راهن رواد المنهج العلمي القدامى على مبدأ الحتمية عن استقلال التجربة عن اتجاهات الشخص المجرب وقيمه الذاتية، ولكن تغير الحال وأصبحت الملاحظة العلمية نصيباً مشتركاً بين المادة العلمية محل الدراسة وللدارس نفسه إلى الحد الذي لم يعد فيه البحث العلمي يسير وفق مخططات العلماء بل أصبح خادماً لسياسات الدولة والمجتمع الرأسمالي بقيمها النسبية فتضم حينئذ الباعث النفعي على حساب الباعث القيمي مما قاد ويقود إلى مفارقة حادة تواجه البشرية وهي أنها أصبحت قادرة على تغيير العالم بسرعة تفوق أضعافاً مضاعفة قدرة فهمها للنهايات الإنسانية ولأفعالها ففرضت على العلم مسائل علمية عليه الإجابة عليها دون انتظار أو اهتمام بغاياتها ومثلها العليا حتى تراكم الأمر ليبلغ نقطة الانقلاب الحرجة التي ضاق معها وعاء المنهج العلمي الوضعي وفقد القدرة على رعايتها واستيعابها وبدأ المنهج العلمي الوضعي يتهاوى تحت تسارع الكشوف العلمية وبدت الحاجة ماسة إلى منهج علمي آخر له من المثل العليا ما يمكنه من استيعاب المتغيرات العليمة ويرعاها في اتجاه راشد.
والواقع إن مرد هذا الانفصال بين التطبيقات التكنولوجية وبين القيم الإنسانية النبيلة، يرجع إلى طبيعة تطور المنهج العلمي الحديث عند الأوربيين في عصر النهضة، والصراع الذي دار بين القيم الدينية وبين العلم في معناه الوضعي، إذ أن العلوم عند الأوربيين قد اكتسب مناهجها البحثية روحها فيما عرف بعصر النهضة وتغير أوضاع المجتمع التقليدي الإقطاعي فنما الاقتصاد وسادت الفلسفات الرأسمالية التي تتناقض والفلسفات القديمة فزادت تلك الفلسفات من حدة المنافسة والحريات الفردية كمثل عليا جديدة للمجتمع الأوربي مما تمخض عنه تصورات ومفاهيم جديدة( ) في الفكر والعمل حلت محل المفاهيم القديمة التي كانت تدعو لها الكنيسة، مفاهيم جديدة قوامها دولة وطنية مستقلة ومطلقة السيادة على ترابها تقوم وتؤسس على عقد اجتماعي ولا تدوم ولا تبقى إلا في الغلبة والسيطرة هذا من جانب ومن جانب آخر فإن تغير المثل العليا للكنيسة القديمة قد قاد شيئاً فشيئاً إلى ظهور اجتماع بشري تغير اهتمامه بالرسالة الدينية وإبعادها باعتبارها مصدراً للتوجيه في الفكر والعمل وبدأ يبحث عن مصادر أخرى للعلم والمعرفة، وكانت أهم تلك المصادر التي استند عليها هي مصادر اليونان القديمة لا سيما الفلسفة والآداب القديمة، بينما أتجه البعض الآخر إلى محاولات إصلاح ديني داخلي على مستوى الدين المسيحي من أمثال "مارتن لوثر" و"جون كالفن" وغيره في حين أولت فئة ثالثة اهتمامها لمحاولة تشييد نظرة معرفية عالمية جديدة على الحياة وعن العالم بعيداً عن تأثير الدين كما تقدمه الكنيسة، وهكذا يمكن التميز في عصر النهضة عن حركة واحدة في اتجاهات مختلفة اتجاه لاستعادة الفلسفة والآداب القديمة ونقدها واتجاه لحركة الكشف العلمية الجديدة واتجاه الإصلاح الديني. وعلى هذا فليس ثمة تعارض بين الاستنجاد بالآداب والفلسفة القديمة والتجديد العلمي فكلاهما كان بمثابة أداة للتحرر من قبضة الجهاز المفاهيمي السائد في العصور الوسطي وتوقاً لحرية الفكر ورفضاً لنزعات القنوط واليأس وانتظار العقاب( )، وهكذا فالفلسفة اليونانية إنما كانت لأجل المستقبل التي تحاول عقلنة النظرة المعرفية للعالم، معنى هذا إن الاستعانة بالفلسفة القديمة إنما كان لاسترجاع روحها ذلك أن الحركة الاجتماعية لم تكن حركة أدبية بقدر ما كانت حركة فكرية وتحولاً في القيم والمثل العليا ووعياً آخر بالروح والمثل الإنسانية.
لقد كان استيعاب عصر النهضة في أوربا للآداب والفلسفات اليونانية استجابة مباشرة لما اتسمت به تلك الفلسفات من قبول مطلق للحياة وإخضاعها للاختبار في كل جوانبها في حرية كبيرة وهو الأمر الذي انعكس على روح عصر النهضة فكانت بذلك مطلوبة لأجل اكتشاف الوعي الفردي ولأجل صياغة القيم والمعايير الجديدة وبديلاً عن تلك التي تعرضها الكنيسة، فكان أهم ما جاءت به الثورة العلمية يتلخص في كونها قد علمت الناس أن يفكروا بطرق مختلفة في تصورهم للعالم ولنفسهم وللحياة( ). وهو التحول الذي أعطى نسقاً تصورياً مختلفاً جداً عن ذلك الذي كانت تقدمه العصور السابقة الذي كان جل همه محصوراً في مهمة التوفيق بين الدين والفلسفة، وهكذا فعندما أفلتت الطبيعة من قبضة الغايات الثابتة الممسكة بها تحررت معها الملاحظة والتجربة وانتقل العقل ووضعت المناهج الخادمة لأهداف العلم، فكان أن حدد العلماء في عصر النهضة قاعدتان تمكن من اكتشاف قوانين الطبيعة الأول هو أن يراقبوا الظواهر الطبيعية عن طريق المشاهدة والتجريب حتى يدركوا الطريقة التي تكرر بها نفسها فيعتبروا عندئذ بالنموذج الذي تكرر بمقتضاه.
أما الأمر الثاني أنهم راحوا من وراء هذا النموذج في محاولة التحليل والاستدلال ليضعوا أيديهم على قوانين وتنظيمات عقلية بسيطة ومن هذا الارتباط بين الجانب العقلي والتجريبي جاء المنهج العلمي الوضعي عندهم( ) وإذا كان "نيوتن" باكتشافه لقانون الجاذبية هو قمة البحث العلمي في تلك الفترة فإن بيكون هو قمة التعبير عنها والمقرر لبنية المنهج العلمي فيها والمحدد لروحها والمفصح عن قيمها الجديدة. بل تعدى ذلك ليستشرف بها مستقبل العلم الوضعي وبيان ما ينبغي أن يحققه فاستطاع بذلك أن يؤثر على المجتمع العلمي والمجتمع العام على السواء وذلك يرجع إلى أن "بيكون" هو أول من حاول كشف القيم الجديدة التي تضمنتها فلسفة العلوم في أول عهدها. مستخلصاً المضمونات والأسس الفكرية لعصر الكشوف القادم ومعبراً في ذات الوقت وبصورة عقلية عن التغيرات اللازمة للنظرة الجديدة للحياة. وهنا يظهر "بيكون" لا كمجرد فيلسوف نظري فحسب بل ليقدم نظرية في المعرفة والاستقراء تستند على التجارب والتجارب الوضعية وحدها والانصراف عن التأملات التي تزدري التجربة.إلا أن قبول عصر النهضة للروح البحثية الشاملة في التراث اليوناني لا يعني أنهم قد قبلوا مناهج البحث العلمي التي كانت مستخدمة عند اليونان بل إن هؤلاء قد هاجموا تلك المناهج وتناولوها بالنقد تماماً كما كان الحال عند المسلمين بعد إطلاعهم على التراث اليوناني بيد أن أكثر ما تناوله هؤلاء بالنقد كان هو المنطق الصوري والقياس الأرسطي على وجه التحديد.
ثم جاءت مرحلة من تاريخ العلوم الأوربية هي فترة بدايات القرن العشرين التي ظهرت فيها تغيرات كبرى وقعت مع بداية ذلك القرن أهمها نظرة الكم Quantum theory على يد "بلانك" وما أدت إليه من وحدة بين الفيزياء والكيمياء ثم أعقبها نظرية النسبية وكذلك نشأت الكيمياء الحيوية التي غيرت من أهمية دلالة الأشكال والحركات الأكبر التي شغلت علماء القرن التاسع عشر. والواقع إن تلك التغيرات العلمية قد أبانت عدم ملائمة التصورات العلمية التي كان العلم قد سلم بها لفترات طويلة بيد أن هذه التغيرات ما كان لها أن تكتمل في يوم واحد حتى تصبح البشرية في الغد على إطلاع محيط ومطلق بحقيقة الكون والعالم وبالتالي سوق الإنسانية إلى الرشاد والعلم.
ثم جاءت المناهج المعاصرة التي تعرف العقل بأنه أداة وفاعلية باعتباره القدرة على القيام بالنشاطات حسب المبادئ وبذلك لم تعد القواعد التي يعمل بها العقل هي التي تحدده وتعرفه بل أن قدرته على استخلاص عدد لا نهائي من القواعد هي التي تحدد ماهيته وعند هؤلاء إن المعرفة إذن ليست في المطابقة بين مبادئ العقل والطبيعة وحسب، بل والإيمان بأن نشاط العقل يستطيع بناء أنساق علمية تتسع لتشمل مختلف الظواهر وتفسرها بواسطة التجربة، وان العلاقة هنا بين العقل والطبيعة علاقة مباشرة هي الأخرى وعلى هذا تنتفي الحاجة إلى الله بالمعنى التوحيدي وبالتالي الوحي الإلهي المنزل من التصور الغربي للعلم فالعلاقات هنا تتمحور في مناهج البحث الوضعية في ثنائية العقل والطبيعة لا غير فيغيب الله ويغيب الوحي. وما ذاك إلا لأن العقل يكشف في الطبيعة التي هي ذاتها عقل أي قوانين واطراد.
وعلى هذا فإن خلل مناهج البحث الوضعية وبالتالي أصاب تطبيق كشوفها العلمية هي انحصارها في ثنائية العقل الواقع وانصرافها إلى الدراسات الوصفية الوضعية وفقدان مفهوم الإيمان الله بالمعنى التوحيدي وكل ما يلزم القول به من قيم ومثل عليا توجه البحث العلمي وترعاه وتهدي تطبيقاته التكنولوجية وهو البعد أي توحيد الله الذي نبني عليه موقفها من منهج البحث العلمي. ذلك إن جعل أدوات العلم ومقياسها الأحادي القائل بأهمية العلم في تحقيق القوة والسيطرة على الطبيعة يعني أن يتحول العلم إلى الإرادة والقوة ولتصبح هذه هي رسالة العلم الوحيدة. وهي الرسالة التي تقود أصحابها في رحلة محفوفة بالمخاطر. ذلك أن النظر إلى الطبيعة باعتبارها مستودع للمواد الخام كما يقول "جارودي" إلى جانب النظرة الداعية إلى المذهب الفردي والحرية الخاصة يسلب الإنسان كرامته وذاتيته ويتحول إلى مجرد رقم حسابي في وضعية التقدم التكنولوجي ونزعته نحو السيطرة. إن الاعتقاد بأن العلم الوضعي ومناهجه قادرة لوحدها في حل المشكلات البشرية قول فيه سطحية وسذاجة بمعنى أن المنهج التجريبي ظل يتنامي على حساب القيم والمثل العليا الإنسانية الداعية إلى الخير والإحسان والإيمان والتوحيد وإعادة ترتيب العلاقة بين جلال الله والعالم والإنسان لصالح قيم التوحيد والإيمان باليوم الأخر، بمعنى آخر أن الاهتمام يجب أن ينصرف في المقام الأول إلى الرسالة الثقافية وإلى الضرورات الإنسانية وإلى المثل العليا في الحضارة لا أن ينصب فحسب عند البحث في الكيفيات والوصفيات التي يتم بها إنجاز العلوم أي ينصرف إلى المثل العليا التي تفسر غايات الوجود وتغذي العلوم بقيمها المطلوبة.
بعبارة أخرى، يمكن القول إن العلوم ومناهجها قد راحت على يد "بيكون" و"ديكارت"( ) إلى تجاهل البعد الروحي والمعنوي للإنسان فاستحال العلم عندئذ إلى مجرد كم عددي فانكفأ الإنسان على أنانيته وذاتيته المنفردة والمنعزلة تحت اسم الحرية الفردية فيصح والحال على هذا أن أصبحت المنفعة هي المقياس الوحيد لقياس العلوم التي تسعى إلى السيطرة والتملك على العالم والطبيعة ولا يكون ذلك إلا بسيادة ثقافة الكم فكان لا بد إذن أمام هذه الفلسفة أن يتحول الحيوان والإنسان إلى مجرد آلات وتروس في رحلة البحث عن السيطرة وعن الكم( ). والحق أن المعضلة التي وقعت فيها مناهج العلوم الأوربية ليست فحسب المعضلة المتعلقة ببنية المنهج العلمي وخطواته في البحث ومصادر تلك الخطوات بل وفي الأساس التي تتمثل في أن تلك المناهج قد قلبت العلاقة بين الوسائل والغايات رأساً على عقب فالوسائل عندهم أصبحت هي الغايات في حد ذاتها وبالنتيجة أصبحت تطبيقات العلوم سيداً على الإنسان لا لشيء إلا لأن هذه المناهج قد أهملت قيمة المثل العليا وأهميتها في المنهج وهي التي سعت وبتعمد إلى إخراج المسائل الغيبية والإلهية عن مجال بحثها وحصرت وظيفة العلم في وصف القضايا الوضعية.
بعبارة أخرى فإنه يمكن القول: بأن المنهج العلمي التجريبي، قد مكن الإنسان من السيطرة على الطبيعة بفعالية متزايدة مفاهيم محضة ولكنه قدم أيضاً مجموع الأدوات التي سهلت سيطرة الإنسان على الإنسان على نحو مطرد الفعالية من خلال السيطرة على الطبيعة فلقد أصبح العقل النظري رغم كونه يبقى محضاً ومحايداً خادماً للعقل العملي ولقد كان هذا الترابط مفيدا لكليهما أما اليوم فما تزال السيطرة قائمة وازدادت توسعا بفضل التكنولوجيا بما هي تبرر توسع السلطة السياسية واستيعابها لكل مجالات الثقافة. إن التكنولوجيا في هذا العالم تعقلن أيضاً افتقار الإنسان للحرية وتقيم البرهان على أنه يستحيل تقنياً أن يكون الإنسان سيداً على نفسه وأن يحدد نمط حياته الخاصة وبالفعل فإن نقص الحرية لا يبدو واقعة لا عقلانية أو واقعة ذات صبغة سياسية وإنما يعبر بالأحرى عن أن الإنسان خاضع لجهاز تقني يزيد من رغد الحياة ويزيد من إنتاجية العمل. إن العقلانية التكنولوجية لا تضع مشروعية السيطرة موضع اتهام وإنما هي بالأحرى تحميها وأفق العقل الأداتي ينفتح على مجتمع كلياني عقلاني لقد اتخذت حركية التقدم التقني على الدوام محتوى سياسياً ولقد أصبح لوغوس التقنية لوغوس العبودية المستديمة وقد كان في الإمكان أن تكون قوة التكنولوجيا قوة محررة بتحويل الأشياء إلى أدوات ولكنها أصبحت عقبة في وجه التحرر بتحويلها البشر إلى أدوات،كما يذهب إلى ذلك هربرت ماركيز، في الإنسان ذو البعد الواحد.( )
وبذلك أخفقت ثقافة الكم وإرادة السيطرة ومذهب الحرية الفردية في هداية البشرية وتناقضت مردودات التكنولوجيا والعلوم التطبيقية مع الدعاوى التي بشر بها رواد عصر النهضة. وبهذا نقرر أن أيما إنتاج تكنولوجي يسعى لتنظيم وترتيب بنياته الداخلية ونسقه الخاص بمعزل عن الغايات والمثل العليا ويهجر الحكمة العليا فيه ليس إلا إضراراً بالبشرية في بعض نتائجه مهما بدا براقاً وجاذباً. إن المطلوب مثل عليا أسمى من قيم السيطرة والقوة والتحول عنها إلى قيم الحق والتوحيد وعندئذ لا تصبح وظيفة العقل فحسب هي الانتقال من سبب لآخر ومن نتيجة إلى أخرى وإنما إلى الانتقال من غاية إلى غاية ليصل بها إلى توحيد الله ومن ثم خلافة في الأرض وفق منهج الوحي القرآني، وعندئذ يصبح المنهج العلمي المطلوب هو أداة لتحقيق المعاني الإلهية المطلقة والسامية أي أداة لزيادة الإيمان بالله والتوحيد كوظائف أساسية للعلم ينشدها المنهج العلمي.
فخلال الثلاثة قرون المنصرمة احتل العلم القائم على مبدأ الموضوعية مكانة في المجتمع، هذا في مجال العمل لا حياة النفوس وقد بنيت المجتمعات الحديثة على العلم وهي مدينة له بالثروة والقوة والقناعة بأن ثروات وقوى أكبر من ذلك بكثير ستكون غداً في متناول الإنسان إذ هو أرادها ولكن كما أن الاختيار الأول في التطور البيولوجي لنوع من الأنواع قد يقحم مستقبل ذرية كلها في طريق معينة وكذلك الأمر في اختيار الممارسة العلمية اللاواعية في الأصل إذ أنها قد ساقت التطور الثقافي في طريق ذات اتجاه واحد وتلك طريق كانت التقدمية العلمية في القرن التاسع عشر ترى أنها ستنفتح حتما على ازدهار عظيم للإنسانية على حين أننا نرى اليوم هوة الظلمات وحفرا أمام أعيننا ... إن العلم يعتدي على القيم لا بصورة مباشرة إذ أنه ليس حكماً فيها وعليه أن يجهلها ولكن بصورة غير مباشرة حيث أنه يهدم كل الأنطلوجيات الخرافية التي تقيم عليها التقاليد الإحيائية من شعوب استراليا إلى الجدليين الماديين صرح القيم والأخلاق والواجبات والحقوق والمحرمات... وعندئذ الإنسان الحديث أو بالأحرى يقف ضد العلم الذي يفسر الآن قدرته على التخريب لا تخريب الأجسام بل تخريب النفس ذاتها( ).
ومن هنا حاجة الاكتشافات العلمية إلى أم حاضنة ترعاها وتشرح قيمها العليا وتفصح عن مجلات توظيفها، هي هنا كما نتبناها في الورقة الروح القيمية الإسلامية، ذلك إن هذه الأخيرة تقيّم الرأي الغائي في الوجود ولكنها في ذات الوقت ترسم طريقاً للحياة العملية الصالحة في العالم هذا من جانب ومن جانب آخر، فإن قيم الإسلام تنطلق من استلهام الدلالات والتعاليم الدينية، فالوحي الإلهي يظل دائماً هو مركز الاستقطاب الأساسي لجهود المفكرين الإسلاميين، وهو الاستقطاب الذي يتبين عند النظر في جميع ضروب العلوم عند المسلمين والتي تظهر كوحدة عضوية واحدة تطابق بين حقائق الوحي والحقائق الصحيحة في الطبيعة والإنسان مما يكون نتيجة ازدياد الإيمان بالاقتراب من الحقيقة الحقيقية للوجود( )، ولما كان الإنسان هو خليفة الله في الأرض وكان الوحي المنزل في الكتاب المنصوص هو منهاج الحياة والبحث في العالم فإن هذا الأخير يكون هو المفتاح الذي يكون بموجبه الاستخلاف ويكون بموجبه "القرب" من الحقيقة ولذلك كان المنهج العلمي في الإسلام هو استلهام ومظهر وتجلي لآيات الله في الوحي المنزل عبر ألف آية وآية في آيات الوجود المنصوبة في مختلف مظاهر الطبيعة وتغيرات الظاهرة الإنسانية وفي القدرة على"التقرب"من جلال الله وعظمته يقول تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) {الكهف /109}.
وبهذا تكون خاصية المنتجات التكنولوجية في التصور الإسلامي، وفي سائر ضروب المعرفة تظهر في كونها وحدة متداخلة متصلة بعضها ببعض اتصال القيم الأخلاقية التي توجهها من انطلاقها من مبدأ التوحيد الذي يجعل من كل ظواهر الوجود آيات لله فلا تفرقة على مستوى نتائج ووظائف ووسائط التكنولوجيا على مستوى علوم الطبيعة وتوظيفها الاجتماعي من جانب وبين قيم الدين الهادية من الجانب الآخر وبينهما وبين الغايات الإنسانية من جانب ثالث. وبهذا فلا فرق بين سائر منتجات العلوم وتطبيقاتها العليمة ما بين تطبيقات العلوم الرياضية العقلية وما بين تطبيقات الجغرافيا أو الطبيعيات، وليس معنى هذا الدعوة إلى أن توغل العلوم في التعميم والموسوعية وتنأى عن التخصصية والخبرة. ولكن أن تجمع ما بين الخاصيتين في آن واحد. أي تجمع بين العام والخاص والحكمة والخبرة بهذا الترتيب ولهذا يجئ الاقتران في القرآن بين لفظي حكيم وخبير.يقول تعالى: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) {هود /1}.
والواقع إن الرؤية القرآنية تولي عناية كبيرة لمنظومة القيم، من خلال تأكيدها على قيمة "الحق" الذي يغطي مناحي الحياة، فتظهر مقاصد "الشريعة" بوصفها مقاصد "الحق"،ففي الاجتماع الإسلامي المؤمن بقيم الحق المنغرسة في الفطرة يصبح الكشف العلمي محكوماً لمقصد قيمي محدد يحرم تجاوز أو تخطي قيمته، فقيمة الإيمان "بالحق" في العلوم والتكنولوجيا مثلاً، تحرص على طرد المؤثرات الشخصية والتوظيفات الخادعة للكشوف العلمية لتصفو المقاصد وتخلص من المنفعة الذاتية و"المصالح" القومية والخاصة. كما أنه وفي الاهتمام بقيمة "الحق" نأي عن التبعية للآخر فيما أنتجوه من أساليب وأشكال تكنولوجية، بوصفها أساليب تدخل ضمن مواضع الكشف، يمكن الإتيان بخير منها في فضاء مطلق من دلالة قيمة "الحق" العليا.
وبرهان ذلك إن الخطاب القرآني بما هو دلالة على مقاصد ما، فانه يقدم حقلاً دلالياً ومقصدياً قيمياً مطلقاً، به مقاصد دالة على معنى الحياة والوجود كما يتصورها الخطاب القرآني وينظر لها، ولأنه "خطاب" يخاطب الناس بلغة بشرية ولكنها لغة بدلالية مستوعبة ومتجاوزة لما ألفوه من مستويات التعبير، ولأنه يطرح إشكالات جديدة، ليس على الصعيد الميتافيزيقي وحسب، بل وكذلك، على الصعيد العلمي. فإنه يلزم الانطلاق فيه من دلالة ومفهوم "الآية" القرآنية، باعتبارها المفهوم المفتاحي الذي يأخذ الموقع المركزي الذي يجب أن يستقطب جهود الفقهاء عند محاولة الكشف عن مقاصد خلق الكون والإنسان في القران، وذلك من خلال مقاصد الخطاب بوصفه تفسيراً للعالم المشاهد. فالقرآن هو التفسير "الحق" ذو المغزى والمقصد المرتبط بدلالة الإيمان بالله تعالى، فينطلق منه العالِم القاريء ويستغني عن قراءة ما عداه من كتابات في مجال اكتشاف مقاصد وحقائق الكون والإنسان والاجتماع ونحوه.
والمعنى أنه من جهة تفسير الكون العام، فإن القرآن يقرر أن الله هو الرب وهو الوالي الأعظم الذي خلق السماوات وخلق الأرض، كما خلق الإنسان. وقد ورد ذكر السماوات والأرض مقترنين كثيراً( )، يقول تعالى في آية جامعة: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ){يونس/3}. والمعنى المراد بيان قدرته وأنه المنفرد بقدرة الإيجاد، وبالتالي فهو الذي يجب أن يُعبد وتكون له الحق، إذ هو الذي ينزل الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها، ولا يشفع عنده أحد من نبي ولا غيره إلا من بعد إذنه سبحانه وتعالى. وأن ذلك الإله الذي فعل هذه الأشياء من خلق السماوات والأرض هو ربكم الذي لا رب لكم غيره ( )، فمن البديهي أن تكون له سلطة التشريع والتحريم والتحليل، لا إلى المصادر الأخرى بما في ذلك العقل أو الطبيعة، كما تصور الفلسفات الوضعية التي جعلت من العقل أو الطبيعة أساس الاجتماع البشرية ومصدر النظم الاجتماعية ومنشأها. بكلام آخر،أنه إذا كانت قدرة الله هي التي خلقت السماوات والأرض، وإذا كانت قدرته ظاهرة قاهرة، فإن إسناد الأمر له والاعتراف به في سن التشريعات، وإسناد الحق وبناء المؤسسات الاجتماعية، مسألة بديهية لا جدال حولها، ويترتب على الخروج أو المروق والانحراف عنها فساد في الأرض واستكبار فيها بغير الحق. ومن هنا يبدأ القرآن في عرض فلسفة الاجتماع على الأرض بالحديث عن خلق السماوات والأرض وما بينهما، وأن هذا الخلق قد تم قبل خلق الإنسان وأنها خلقت لأجله. بعبارة أخرى، إن الرسالة والنبوة "الحق" المنزلة من الله "الحق" إلى البشر، قد حوت تفسير طبيعة الوجود بإطلاق، والوجود البشري بصفة خاصة، وأن الوحي القرآني يقرر أن الله تعالى يتصف بصفات الكمال المطلق وتنزع إليه النفوس، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ومحاولة معرفته، بمعنى أن معرفة ذاته بالعقول البشرية يصبح أمراً غير ذي جدوى، إذ هو محاولة قائمة على المقايسة بالأشباه والنظائر والأمثال. والله هو الذي خلق الكون وخلق الإنسان وخلق النظائر والأمثال، لذلك فهي لا تؤدي إلى معرفة ذات الله تعالى يقيناً حقاً، وهو إلى ذلك خالق التاريخ البشري على الأرض ومبتدأه.
لكن كل ذلك لا يعني اغتيال العقل البشري ومنعه من البحث الدءوب في البحث المقاصدي، ولا يلغي ذلك النشاط، بل يجعل من العقل يقوم بذلك النشاط مستهدياً بمقاصد القرآن فيما ورد بشأنه خطاب ما، فتكون دلالات الوحي عندئذ بمثابة المقاصد الافتراضية التي تقود وتهدي العقل في سعيه لتحصيل الحقيقة، هذا فيما فيه خطاب، أما ما ليس فيه خطاب فمحله تأويل العقل الصرف. فالموضوعات التي لم يرد فيها خطاب قراني ما،"يهدي" العقل في تحصيله للمعرفة والقيم ...الخ، فإن "العقل" بعمل فيها عندئذ من تلقاء نفسه، في محاولات فقه المقاصد المرجوة بالتفسير والوصف والتنبؤ والتحكم، في الظواهر الطبيعية والإنسانية. يقول تعالى:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أنزل فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)(البقرة/185). ويقول: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)(البقرة/2). وبذلك تكون هداية "العقل" في دراسته للواقع الإنساني أو الطبيعي، بالاستهداء بهدي الوحي الإلهي المنزل، فجملة "الآيات" الواردة في الخطاب القرآني تعد التفسير "الحق" للوجود والعالم والإنسان. أي من جهة كونه الحق المطلق الذي لا حق بعده، يقول تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تأويلا) (الفرقان/33). ويقول: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) (الجاثية/6). ويقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)(النساء/170). ويقول: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) (الأنعام /66). ويقول: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ)(ص/84). وهكذا نقرر، باستقراء آيات القرآن الكريم بجمعها وتأويلها، إن دليل الاعتبار بمقاصد القرآن تكمن من وراء أن القرآن قد جاء "بالحق"، فيتخذ الخطاب القرآني مقاصد وجودية ومعرفية وأخلاقية..الخ.
بهذا فإن مهمة البحث العلمي المنشود عندنا هي إعادة التوحيد بين الحكمة والخبرة وتقديم الحكمة على الخبرة بمعنى إعادة تعريف المثل العليا التي ينشدها كل منهج راشد مما يحقق نهضة علمية شاملة تصحح أوضاع البشرية وتوازن بين قيمها الروحية وضروراتها المادية أي المنهج الذي ننتقل فيه من علم إلى علم ومن تطبيق إلى تطبيق على مستوى وظيفة العلم وغاياته من دون صعوبة تذكر وهو المنهج الذي يتأتى إذا استند على دلالات الوحي الإلهي المحيط والمحايد والذي يوحد ويوازن بين الحكمة والخبرة وبين المثل العليا والاحتياجات الدنيا للبشر وهو الأمر الذي يقتضي إعادة تعريف العلم ووظائفه ومجالاته والمناهج البحثية المطلوبة فيه ومنظوماتها وخطواتها وهذا ما نسعى لإنجازه تباعاً.
والحق إن الأمر كذلك ففي المفهوم القرآني تتحدد العلاقات في المناهج العلمية من خلال ثلاث أبعاد. الله تعالى والإنسان والطبيعية على الترتيب وإذا كان هناك عنصر يمكن إهماله مؤقتاً فهو الطبيعة وهو الإهمال الذي يفسر في نظرنا ضآلة الاتجاه العلمي بالمعنى التجريبي في تاريخ الثقافة الإسلامية حيث كان الاهتمام منصرفاً نحو الحكمة المتمثلة في معرفة الله ومعرفة الإنسان وعلاقاته والذي يقع على عاتقه واجب الاستخلاف ومن هنا كان الاهتمام بالعلوم الاجتماعية أكثر من الاهتمام بالعلوم التجريبية عند المسلمين في مقابل إهمال مبدأ الله في الفكر اليوناني والأوربي نسبياً، فالدور الذي يقوم به مبدأ الله في الفكر اليوناني والأوربي تقوم به الطبيعة في المفهوم القرآني. ذلك أن الطبيعة هي الوسيط بين الإنسان وبين الله. فهنا يوظف مفهوم توحيد الله بإتباع الوحي الإلهي المنزل من لدنه ليهدي العقل في معرفة قوانين الطبيعة، إذ العقل في التصور القرآني يعمل بواسطة الدلالات المستخرجة من الوحي الإلهي ويهتدي بها مما يضفي المشروعية والصدق على معارفه، أي على المعارف العقلية ويجعلها معارف يقينية، بمعنى أن الوحي النازل من الله يعين ويهدي العقل البشري على اكتشاف نظام الطبيعة وأسرارها. ومتى ما عرف العقل الطبيعة بواسطة عمله من خلال دلالات الوحي الإلهي أعانه ذلك على "الاقتراب" من معرفة جلال الله تعالى. فالمطلوب في المفهوم القرآني أن يُتأمل في الطبيعة ليتصل بخالقها هو عكس ما عليه الحال في المنهج اليوناني والأوربي الذي يتخذ العقل من الله واسطة لفهم الطبيعة أو ضمان لصحة معارف عنها وحسب.
بعبارة أخرى، إن الذي تقرره الورقة هو أن المنهج العلمي المعاصر كان ولا يزال في حاجة إلى وجهة وحاضنة فكرية مغايرة للأم اليونانية ولفضائها المعرفي والقيمي، حتى ينضج ويثمر في سياق فكري وعلمي أكثر معافاة من نظيرتها اليونانية أو الوضعية، فالمسلمون يستطيعون أن يعطوا للعلوم التجريبية رسالة ومعنى ومثل عليا، مما يضمن دوام ازدهارها، إذ الملاحظ إن غايات العلوم الإسلامية تتمايز تمايزاً نوعياً تخص به نفسها عن العلوم الأخرى لاسيما على مستوى أهدافها وغاياتها ومثلها العليا التي توجه وجهتها العامة أي روحها العامة الدينية ومثلها الدينية التي تدعو إلى إقامة الحق وقيمه في العالم وتغذية تلك الغايات والنوايا اللامتناهية من الإيمان بالله تعالى، ودوافع الرغبة في الإنجاز لأجل الجزاء في الدار الآخرة كل ذلك يمنح المنهج العلمي حيويته وهداه.
ذلك إن الكشوف العلمية في الإسلام( ) تحقيق لآيات وشواهد الله تعالى في الكون فهي كانت تجلياً وتجسيدا للوحي الإلهي وللإيمان القابع في القلب يصدقه ويغذيه، وبذلك تكون كل معرفة في أي من مجالات الدرس نوعاً من الصلة بالله تعالى وسبيلاً من سبل التقرب إليه وبالتالي الاقتراب من الحقيقة الحقيقية في الوجود فكما يتقرب الفرد من المفهوم القرآني إلى الله بأنواع العبادات والشعائر فإنه كذلك يتقرب إلى الله من خلال الكشف العلمي عن آيات الله في الوحي المنصوص من خلال العمل في آيات الله المنصوبة في الكون، وانطلاقاً من هذه الروح وهذه القيم التوحيدية تذهب العلوم في الإسلام على استيعاب وتمثل علوم الحضارات الأخرى وإعادة إنتاجها، مجددة فيها وقبل كل شيء روح التوحيد والإيمان أي تجدد فيها صورة العلاقة بجلال الله تعالى وبالعالم المادي متجاوزة في ذات الوقت تلك النظرة الثنائية بين الإنسان والطبيعة التي أقعدت بالفكر العلمي في القرون الوسطي وهي النظرة التي كانت ترى في الطبيعة وفي الكون صارف يصرف الإنسان عن التوجه إلى الله تعالى وعن ملكوته وهي النظرة التي دفعت الكنيسة ثمنها غالياً عندما عادت العلم التجريبي والعلماء كما هو معروف.
معنى هذا أن المنهج العلمي المنشود حسب القرآن هو منهج يبحث عن الحق من خلال الإصرار على تحقيق المثل العليا للوحي في الحياة وفي العلم، فالعلوم تبرهن على مُثل الوحي في عالم الظواهر يقول سيد حسين نصر: (أنه لو قدر للعلماء المسلمين في القرون السابقة أن يبعثوا إلى الحياة فإن دهشتهم لن تكون من التقدم في الأفكار الذي ولد أصلاً في أحضانهم بل أن دهشتهم ستكون في أن نظام القيم قد أنقلب رأسا على عقب وسيرون أن مركز الرؤية أو بؤرتها التي انطلقوا منها قد صار هامشياً وأن محيط تلك الرؤية قد صار هو المركز وأن تلك العلوم المتقدمة التي كانت في الدرجة الثانية من اهتمام المسلمين قد تصدرت ساحة اهتمامهم الآن في الغرب، أما علم الحكمة الخالد ذلك العلم الأول فسيرون أنه تضاءل حتى كاد ينعدم) ( ).
إذن فالروح العقلية المستهدية بآيات الله في الوحي وآيات الله في الكون هي التي دفعت بالعلوم عند المسلمين وجعلت منها علوماً ذات أصالة وإبداع وعطاء متجدد، فالرياضيات مثلاً وهي أحد أميز العلوم الإسلامية ينظر إليها في عند المسلمين على أنها نقطة اتصال بين المحسوس العيني وبين المعقول الغيبي فهي العلم الذي يبحث بين العالم المتغير والعالم الأزلي الخالد، هذا فضلاً على أنها علاقة بين الفنون والعلوم والعمارة والهندسة ونحو ذلك فالعنصر في المنهج العلمي عند المسلمين كما هو عند الهنود يعني الفراغ والعدم والخلو والذي يعقبه الكون والخلق بأمر كن فيكون. أما العدد فهو يعني في المنهج العلمي عند المسلمين رمزاً مباشراً لمبدأ الإله الواحد والأعداد الأخرى ومركباتها ما هي إلا علاقات تنقل العقل من المتعدد إلى الواحد وهكذا تسخر الرياضيات لخدمة المبدأ الديني الأساس أي مبدأ التوحيد وتأخذ منه رسالتها وقيمتها ( ). فما هي الأبعاد القيمة المعرفية المضافة التي يتركها الاستنجاد بدلالة وقيم الخطاب القرآني على الكشوف العلمية ؟.إن ذلك يظهر في الأبعاد التالية.


[font=Simplified Arabic]القيمة الأولي المضافة، هي التخليص من أوهام الايدولوجيا. فلقد أصبحت مسألة الايدولوجيا التي تميز الاتجاهات العلمية الحديثة كالمادية والليبرالية والبراغماتية ونحوها مسألة تشغل بال العلماء والفلاسفة باعتبارها اتجاهات تلحق بالاكتشافات العلمية وتصبغها بصبغة خاصة. بتعبير آخر إن الايدولوجيا وما يترتب عليها من مواقف حياتية هي ذات ارتباط بدرجة ما بما تقدمه النظريات العلمية من نتائج وبالتالي تقرر عليها الأيديولوجيات اتجاهاتها ومذاهبها في النظرة إلى الحياة والعالم فنظرية "أفلاطون" مثلا في عالم المثل قد صدرت بصورة ما عن رياضيات "فيثاغورس" وفلسفة "ديكارت" هي الأخرى مدينة في الكثير من أصولها لما توصلت إليه التجربة على يد "جاليلو" ومعاصريه وان مذهب "ليبنتس" يرتبط بما توصلت إليه النظريات العلمية في حساب التفاضل والتكامل في عصره ومذهب "كانط" ارتبط بصورة مصيرية بقوانين "نيوتن" في الجاذبية والحركة والسكون، فالارتباط يكون قوياً بين الأيدلوجيات والنظريات العلمية.
بيد إن هذه الاتجاهات والمذاهب الأيدلوجية تظل على ما هي عليه معرفة محدودة عن إدراك الحقيقة الحقيقية في الكون بل ومعزولة عن بعضها شأنها في ذلك شأن الجزر المتباعدة عن بعضها البعض وتظل اتجاهات قد ينقض بعضها بعضا وينسخ بعضها الآخر الأمر الذي يظهر الحاجة إلى نسق علمي متسامي وشامل ومتماسك يعيد ترتيب وتنسيق الخيارات البشرية في الحياة ويستوعبها، وإذا كانت هذه الأيدلوجيات هي وليدة النظريات العلمية التي تتبناها فإن الأمر يقتضي إذن إعادة الرشد والوحدة إلى النظريات العلمية من قبل والى نسقها العام، وهو الأمر الذي يتأتى بواسطة إعادة النظر في أصول المنهج العلمي من خلال الوحي المنزل كما سعينا تناوله ومن ثم ترشد الايدولوجيا التي تتولد عنه بمعنى إن الأيدلوجيات هنا تأتى بمعنى المعرفة الظاهرية السطحى في حين إن العلم الإلهي المنزل عبر الوحي هو المعرفة الموضوعية المطلعة على كنه الأشياء كما هي في حد ذاتها خارج عقل الإنسان، فإذا كانت التجربة العلمية لوحدها لن تكتمل في يوم واحد وتكتشف حقيقة الوجود ككل حتى يتثنى بناء مثل هذا النسق، إن الحاجة إلى مصدر الوحي كنسق علمي محيط وهادي تظل ضرورة علمية عاجلة لأجل إيجاد خيارات إنسانية راشدة يقول تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (البقرة 2- 3).
إن الوحي القرآني وفضلاً على انه يعطي نسقاً علمياً لا اختلاف فيه على الإطلاق، فإن له حكمة وغاية ومثل أعلى يوحد به بين الخبرات العلمية والإنتاج العلمي مع القيم الروحية والأخلاقية والإيمانية الخالدة بالنسبة للبشر. فالقرآن يقرر ذلك في مفهومه عن التوحيد وفي توضيحه لتداخل العلاقات بين الإنسان والعالم وجلال الله تعالى مما يحل وفي آن واحد مسألة النسق العلمي ومسألة المثل العليا المطلوبة للحياة والمنهج العلمي.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الاتجاهات الأيدلوجية التي يضمنها العلماء ذيل نظرياتهم وتطبيقاتهم العلمية لتأليف بين فروع المعرفة عندهم نجدها غالبا ما تجئ ضعيفة ومتهافتة لا تتناسب وحجم التجارب العلمية التي بنوا على أساسها أيدلوجياتهم فهي كذلك قلما تكون خلاصة أمينة للعلم في المجال المعين وليس أدل على ذلك من إن العالم عندما يعمد إلى وضع مذهب أيدلوجي يجمع فيه شتات معارفه العلمية فإنه يصوغ فلسفته هذه وفقاً لاعتقادات فكرية قديمة مما يجعل هذه الاتجاهات في حالة ضعف مما يعرض حقائقه العلمية دالتها إلى الشك كما الحال مع نظريات "داروين" التي فتح بها باباً للإلحاد كاتجاه وجودي. وعلى هذا فإن النظريات العلمية ومن ورائها الاتجاهات الأيدلوجية تظل دائماً تستنجد بالنسق المطلق الراشد أي الوحي من أجل فهم وإعادة فقه ما يكشف من خبرات علمية جديدة ويعطيها مثلها العليا المطلوبة فلا غنى للنظريات والكشوف العلمية من الوحي المنزل الذي يعطيها نظرتها التوحيدية وعللها الغائبة الخالدة.
والحق أنه إذا أُعيد إلى الاعتبار إن التجربة الإنسانية في المفهوم القرآني هي مقدمة عن التجربة الطبيعية نظرياً باعتبار أن الطبيعة ذاتها قد خلقت لأجل الإنسان خليفة الله فإن المنهج العلمي التجريبي يظل عاجزاً عن الإحاطة بالتجربة الإنسانية وتعقيداتها وعندئذ تصبح التنظيمات الآلية المبسطة التي لا تراعي الفروق والتي يدعو لها "ديكارت" مثلا عاجزة عن فهم الظاهرة الإنسانية ومن ثم يأتي دور الوحي المنزل والمحيط بالعلوم التجريبية من جهة وبالتجربة الإنسانية من الجهة الأخرى ليتسنى به قيام بحث علمي شامل وراشد. علم يستطيع الإجابة على السؤال القيمي لماذا في الوقت الذي يجيب فيه على السؤال العلمي كيف في آن واحد. وهو الوضع الذي يفتح التساؤلات واسعة حول طبيعة وظائف العلم.
القيمة المضافة الثانية، هي خلود العلم القرآني وتجدد معانيه.أمام كثرة وتناقض النظريات العلمية. لقد تقرر سابقاً إن تقرير الملاحظات حول صدق وكذب النظريات العلمية إنما يكون تقريراً ظنياً لا يفيد العلم اليقيني ذلك إن الافتراضات المسبقة عن الملاحظات تكون طوعاً للجزئيات العلمية في أي وقت طالما حكم النسق العلمي محددي العقل / الواقع وإلى هذا الرأي يذهب "هانسون" من فلاسفة العلم المعاصرين، معنى هذا إن الملاحظة وتقاريرها لن تفضي إلى الرفض العقلي للنظرية العلمية كما إنها لن تحصل القبول العقلي لأي نظرية جديدة، هذا القول لا يعني أن معطيات وبينات الملاحظة ليست محايدة بل هي معطيات محايدة ومقدرة كما هي في حد ذاتها خارج الذهن البشري من جهة كونها جزء من الآيات المنصوبة في الكون. مما يجعلها من المتطلبات الأساسية لبناء المنهج العلمي. أما غير الثابت فيها فهو إدراك العلماء لها والذي يتشكل وفقاً للافتراضات المسبقة لهم ولاعتقاداتهم الأمر الذي يعني أنه إذا جاءت الافتراضات من مصدر محايد ومطلق كذلك عن أذهان العلماء هو هنا الوحي القرآني، فإن البناء المنهجي العلمي يجد دعامته الأساسية الثانية وبالتالي فإن العالم يستطيع التحقق من صدق وكذب النظريات العلمية الناتجة عن الفرضية والمعطيات المحايدتين باعتبار إن الوحي القرآني المحايد هنا هو عينه معيار التصديق والتكذيب.
والحق أن الأمر كذلك فمن خلال الدلالة العلمية في القرآن الذي تقرر خلوده العلمي وعدم تبدله أو تغيره كما إن معانيه في ذات الوقت معاني متجددة بتجدد الأفهام واختلاف الزمان والمكان. معنى هذا إن الكثير من البينات العلمية تظل قابلة للتعاقب والتكرار من الناحية التجريبية فلفظة " الملائكة" مثلا لا تعني شيئاً مختلفاً اختلافاً كلياًٍ بالنسبة لأناس عاشوا في القرون السابقة منسوبة لمدلول ذات الكلمة بالنسبة للعصر الراهن. إن كون كلمة " ملائكة" هي معنى ومعطى وبينة محايدة توجد خارج العقل العلمي فهو أمر مقرر أما مدلولها من خلال الملاحظة عند العلماء فهو الأمر غير الثابت ولذلك ليس من الضرورة أن يكون ما يدركه العلماء عن كلمة "ملائكة" هو معنى مكافيء ومطابق لها. إلى الدرجة التي يمكن من تأييد أو تكذيب نظرية عنها. الأمر الذي يعني إن الانطلاق في البحث عن ماهية الملائكة دون الاستناد على مصدر تعريفي محايد آخر( ) في وصفها وتفسيرها أمر يفتح الباب لإنتاج نظريات مختلفة حولها تنتج عنها خبرات مختلفة أيضاً عن "الملائكة" ذلك إن قدرة الخبرة على التأييد والتكذيب إنما تتغير بتغير النظرية المعنية وبالطرق التي اتبعتها في التقسيم والتنظير والفقه وبالتالي بتغير التفسير والوصف معنى هذا أيضاً إن الخبرة نفسها نظرية محتملة.
إن المطلوب في المنهج العلمي دعامتان محايدتان إذن أولاهما المعطيات والبينات في الملاحظة وهي المنتشرة في الكتاب المنظور وثانيتهما إن هذه المعطيات والبينات تكون متسقة مع الفروض العلمية المحايدة والمناسبة للمعطيات والتي تستقي من المصدر المعرفي المحايد أي من الكتاب المنصوص. إن القضية إذن تتعلق بالنسق العلمي والنظرة التي يعالج بها العالم قضاياه فإن خبرات العالم يمكن تأييدها وتكذيبها بتصديقها بآيات الدلالة العلمية في القرآن وبالتالي قيام التجديد والكشف العلمي المنشود والراشد.
والحق أنه لما كان المصدر المحايد للحقائق العلمية هنا هو الوحي القرآني وهو الذي يتصف بالخلود والإحاطة فإن ثمة خاصية أخرى ترافقها وهي خاصية تجدد دلالات الكلام الإلهي أي تجدد دلالة الحدود التي ترد فيه بالنسبة لأذهان العلماء إلا إنها في ذات الوقت تظل حدوداً وكلمات تحمل جذراً لغوياً واحداً لا يتغير ولا يتجوز أي لا يتحول إلى مجازيات بيد إن هذا المفهوم هو على خلاف ما ذهب إليه فلاسفة العلم المعاصرون في مذهبهم في المعنى الجذري المتغير. إذ يذهب دعاة المعنى الجذري المتغير من أمثال "كون" و"هانسون" إلى أن الحدود التي ترد في القضايا تختلف اختلافاً جذرياً فما هي المعايير وما هي الحجج التي يناقشون بها مذهبهم في المعنى الجذري المتغير وما مدى مقارنته بالموقف من الحدود داخل النسق النظري القرآني ذو الخلود والتجدد( ).
ينهض موقف المعنى الجذري المتغير على حجة أساسية مفادها إن الحدود لا تملك معنى بمقتضى صورتها الخاصة بمعزل عن السياق الذي ترد فيه، ومعنى هذا فإن المعنى الذي تكسبه الحدود داخل النسق إنما يكون بالإشارة إلى وظيفتها النسقية داخل النسق النظري ذاته، فمعنى الحد يعتمد على النظرية وعلى موضعه فيها. وإذا تغيرت النظرية فإن موضع الحد يتغير بالنسبة للحدود الأخرى وبالتالي يتغير معناه. وعلى هذا عندهم إنه عند تبني نظرية جديدة فإنه يلزم إعادة تحديد أدوار الحدود النظرية وحدود الملاحظة هذا التغير عندهم إنما يكون تغيراً جذرياً في المعنى الأمر الذي يعني استبعاد إمكانية القيام بمقارنات هامة بين النظريات المختلفة من خلال الرجوع لنوع ما من المشاركة في المعنى للحدود المستخدمة، بمعنى أن النظرية الجديدة تكون غير متسقة مع أو على اتفاق أو هي بدير أو ترتد إلى أو متسقة من أو نحو ذلك( ) من نظرية أخرى فعندهم إن هذه المقارنات ليست ممكنة بالرجوع إلى معاني الحدود المستخدمة في نظريتين ولهذا فهم يفضلون المبدأين التالين:
الأول: إن معنى أي حد علمي يعتمد على السياق النظري الذي يرد فيه.
الثاني : إن معنى أي حد علمي يرد في نظرية سوف يتغير جذرياً إذا تعدلت تلك النظرية.
وفي الواقع إن المبدأ الأول يجد معقولية إلى درجة كبيرة كما تقرر ذلك عند تناول منهج التأويل فمعنى حد ما لا يعرف إلا في السياق النظري الذي يرد فيه وبما يرد في السياق من ملاحظات واشتراطات وقرائن لفظية، وهو على هذا يمكن أن يتغير معنى الحد في سياق ونسق نظرية أخرى، بعبارة أخرى إن الحدود لا يعرف معناها إلا في سياق النظرية التي وردت فيها حتى يعرف المقصود والدلالة العلمية لها ذلك إن اللغة البشرية هي لغة نسبية في التعبير عن الواقع ولذلك فإن معرفة الحدود يكون بواسطة الاشتراطات وملاحظات النظرية فالحد المطلق من جميع القرائن والقيود لا أساس له ولا رصيد له في الواقع إذ لا يدل على شئ موجود في الخارج. ولكن ليس معنى ذلك كما يشترط هؤلاء الذين يأخذون بفكرة المعنى الجذري المتغير القائلة بأن قبول المبدأ الأول يقترض قبول المبدأ الثاني ذلك إن المعنى ليس وظيفة للتكوين النسقي الإنشائي للنظرية فحسب، فالمعاني قد تكون متغيرة بالنسبة لنظرية ما معطاة أي إنها نسبية ومن ثم يمكن رفض الاعتقاد القائل بأن الحدود في النظريات المختلفة لا تشترك في نفس المعنى الذي يشترط علاقة تناظر المعاني واحداً بواحد وما يحدث من تغيير يكون رهيناً بالشروط والقرائن المصاحبة وليس تغيراً جذرياً كاملاً للمعنى. وبالتالي فإن المبدأ الثاني لا يترتب بالضرورة على المبدأ الأول( ).
بيد أن هناك مواقف كثيرة حول نظرية المعنى والحد وأبرز هذه الاتجاهات تظهر في جانبين اثنين الاتجاه الأول الذي يتمثل في المعنى وامتلاك المعنى. والاتجاه الثاني يتمثل في معنى الترادف امتناعه وعدم امتناعه في الاستخدام اللغوي وهو الجانب الذي يتضمن المبدأ الثاني ولكن يبقى السؤال كيف يمكن لحدين مختلفين نفس المعنى؟ ولعل هذا التحديد لمحل النزاع على هذا النحو يمثل الإشكالية الأشهر التي شغلت الفكر الإسلامي قديماً ألا وهي إشكالية دلالة الألفاظ على المعاني، بيد إن هذه المسألة قد أثيرت قبل هذا التاريخ بكثير وبمداخل متعددة حول الظروف التي يكون فيها لحدين في اللغة البشرية نفس المعنى( ) فالمدخل الأول وهو أقدمها هو المدخل الافلاطوني في نظرية المثل والتي تذهب إلى أنه يكون لحدين نفس المعنى إذا وإذا فقط استخدم الحدان للإشارة لنفس الماهية أما المدخل الثاني فيقرر أن لحدين نفس المعنى المراد إذا وإذا فقط استخدم الحدان للتعبير عن نفس الصورة العقلية والمدخل الثالث فيقرر أن لحدين نفس المعني إذا وإذا فقط لم يكن بالمقدور تصور شئ ما يشبع الحد الأول ولا يشبع الحد الثاني والمدخل الرابع فيقرر إن لحدين نفس المعنى إذا وإذا فقط لم يكن هناك شئ يشبع الحد الأول ولا يشبع الحد الثاني في حين إن المدخل الخامس فيقرر إن لحدين نفس المعنى إذا وإذا فقط كان لهما نفس الما صدق كذلك نجد "كولين" و"توجمان" وهما يؤسسان مفهوم الما صدق على المعنى المتغير ويستنتجان أنه لا يمكن القول بأنه لا يوجد مرادفان تماما ومع ذلك فهما يقبلان بالفكرة القائلة بان الترادف في المعنى يكون لدرجة ما.
ولنا أن يقول مع "ابن تيمية" فيما يتعلق باللغات البشرية يقول: نجد إن أحدهم يأتي إلى ألفاظ لم يعلم إنها استعملت إلا مقيدة فينطق بها مجردة من جميع القيود ثم يدعى إن ذلك هو حقيقتها. من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة ولا وصفت مجردة مثل لفظ الرأس يقولون هو حقيقة في الإنسان ثم قالوا رأس الدب لأوله ورأس العين لمنبعها ورأس القوم لسيدهم ورأس الأمر لأوله ورأس الشهر ورأس الحول. وأمثال ذلك على طريق المجاز وهم لا يجدون قط أن لفظ الرأس استعمل مجردا بل يجدون أنه استعمل بالقيود في رأس الإنسان( ). فالواقع إن الألفاظ والحدود لا ينطق بها مجردة هكذا وإنما ينطق بها مقيدة بالقرائن وهذا التقييد هو الذي يحدد المعنى المقصود من الحد المعنى في حين إن التجريد اللغوي المطلق للألفاظ لا وجود له في اللغة هذا فضلاً على إن الجذور اللغوية للمفردات اللفظية في اللغة هي محددة على كل حال وإنما تأتي القرائن والسياقات النظرية ومراد المتكلم فيحدد المقصود من الكلام.
وعندنا أن المسلَّمات في اللغة البشرية إذا اشتركت في الحد واتفقتا على كل وجه تماماً كان ذلك هو التماثل وإذا اشتركتا في الحد وفي المعنى مع وجود التفاضل بينهما كان ذلك تواطؤ بينهما في المعنى وإذا اشتركتا في المعنى مع اختلاف في الحدود كان ذلك هو الترادف. أما إذا اشتركتا في الحد فقط مع اختلاف في المعنى كان الاشتراك بينهما لفظياً فقط وليس له دلالة علمية. والملاحظ إن الاختلاف والتأثير على المعنى وبالتالي على النظرية إنما يقع أكثر ما يقع في الكلمات المتواطئة والمشتركة لأنها متفقة في الحد متفاوتة ومختلفة في المعنى الأمر الذي يجعل استعمال العالم للحد في أكثر من معنى مما يوقع في اللبس فيضطر إلى قبول بمبدأ المعنى الجذري المتغير أو يتوسط فيقول بالقدر المشترك بين المعنيين.
إن الحد الواحد في اللغة عند البشر قد يطلق على معنيين متباينين أو أكثر في المعنى ليس بينهما معان مشتركة أو قد يطلق على معنيين لوجود قاسم مشترك بينهما في المعنى. وعلى هذا فإن الحدود قد تحمل أقداراً مشتركة بين النظريات على عكس ما ذهب إليه دعاة المعنى الجذري المتغير. ذلك إن الحدود المستخدمة في أكثر من معنى تكون رهينة إزاء القدر المشترك بين النظريات البشرية والذي يظهر في النسق العام لكل نظرية وهو بالتالي ليس معنى جذرياً متغيراً من نظرية إلى أخرى وهو ما نطلق عليه مفهوم التواطؤ بين الحدود. فالحد قد يطلق على هذا المعنى وعلى ذلك فالعبرة تكون بالاستخدام العام والسياق الكلي والقرائن والملاحظات المصاحبة له. وعلى هذا فإن المخرج من المشكل وتجاوزها يتعلق وفي المقام الأول بمقصود المتكلم ومراده لا في الدلالة الجزئية للحدود على المعاني المقصود أي يظهر من خلال النسق العام والنظم الكلي للكلام واستخدام الحدود بقدر التواطؤ وامتناع الترادف فلا معنى إذن والحال على هذا بالقول بالمعنى الجذري المتغير للعلم.
مما يؤكد هذا الاتجاه عندنا اعتراضات اثنان( ): الأول: وهو إنه إذا كان مذهب المعنى الجذري المتغير صحيحاً فإنه لن يمكن اختبار أو تكذيب أي نظرة علمية عن طريق الملاحظة وتقديرها. فإذا كانت هناك مثلاً الفيزياء الكلاسيكية تعبر عن النظرية "ل" وهناك الفيزياء الحديثة عند "اينشتاين" تعبر عن النظرية "ك". فالعالم إذا قبل الفيزياء الحديثة تحتم عليه أن ينكر الفيزياء الكلاسيكية لأن النظريتين غير متفقتين. وإذا أنكر الفيزياء الكلاسيكية فعليه أن يشير إلى أن تقارير الملاحظة لتجارب العلماء في هذا المجال ليست صادقة وليست كاذبة فانه من الصعوبة أن يتبين كيف يكمن اعتبار الملاحظات والتجارب كأساس للقبول الفعلي للفيزياء النسبية بدلا عن الفيزياء الكلاسيكية والحق إن التجربة والملاحظة العلمية تعطي أساساً عقلياً لقبول نظرية أخرى إلا أن التجربة نفسها لا تقوى على إعطاء تصديقاً نظرية ما مع الحق المطلق في المجال المعنى وهو الذي يتطلب وجود معيار موضوعي ومستقل لتكذيب وتصحيح النظريات: هذا الوضع المفقود في الفلسفة المعاصرة للعلم يضاعف من الانتقادات التي توجه إلى دعاة المعنى الجذري المتغير.
الاعتراض الثاني: إنه إذا كان مذهب المعنى الجذري المتغير صحيحاً فإن عالم من العلماء يصبح معزولاً عن غيره من العلماء وبالتالي فالعالم يعيش في نسق من المعاني خاص به. وعلى ذلك تكون المعاني مختلفة بين العلماء داخل الفترة العلمية الواحدة. وهو الأمر الذي يستحيل معه أن يتوصل عالم من العلماء إلى فهم نظرية أو اكتشاف علمي آخر في مجال آخر خلال فترة التجديد العلمي طالما إن المعاني التي يستخدمها كل واحد منهما مختلفة ومتباعدة عن المعاني التي يستخدمها الآخر. ويترتب على كل هذا فقدان الاتصال بين الأنساق العلمية المختلفة ويترتب على هذا أيضاً إن النقاش المثمر الذي يدور بين العلماء الذين يتبنون نظريات مختلفة يفقد معناه من أساسه ويصبح شأنه شأن حوار الأطرشان. ذلك إن كل عالم حسب مبدأ المعنى الجذري المتغير سوف يكون حبيس معانيه الخاصة وبالتالي يفقد التجديد والتنافس العلمي معناه الأمر الذي يؤخر الثورة العلمية الراشدة( ).
والحق إن هذه المشكلة وقد نوقشت هنا على صعيد فلسفة العلم فأنها إشكالية تثار على مستويات أخرى لغوية ومعرفية وأصولية وغيرها وهي إشكالية تظهر بصورة حادة متى ما كان النسق العلمي محل الدراسة مصاغ ومعبر عنه بقدرة بشرية نسبية في استخدام اللغة وبالتالي استخدم الحدود أما إذا وضع في الاعتبار إن هذه الأنساق العلمية أنساق بشرية تنظر إلى المسألة العلمية من خلال ثنائية العقل و الواقع فإن الإشكال يزداد ويتضاعف في حين إن النظر إلى مسألة العلم من خلال النسق القرآني ذو الصياغة اللغوية الإلهية المحيطة والدقيقة فان دلالة الحدود على المعاني توضع في ضوء سياق آخر سياق البحث عن مقصود المتكلم ومراد الكلام لا في دقة وعدم دقة الحدود في التغير عن المعنى المراد بالذات فهذه مسألة مفرغ منها فمنزل الوحي هو الأقدر على البيان والإحاطة، يقول تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...)(البقرة 185). ويقول: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ)(الحج 16)، وعلى هذا فإن معاني الحدود في النسق القرآني إنما تؤخذ من مقصود الكلام من خلال الأخذ بالسياق العام للآيات موضوعات السور والقول بامتناع الترادف في اللفظ القرآني بالأخذ بالمنهج الصحيح في تأويل الآيات كما تقدم القول ثم يعمد الباحث إلى تجريب دلالاته القرآنية ويصدقها بالوحي مرة أخرى حتى يتأتى له تصديق أو تكذيب نظرية علمية ما معطاة وهكذا يفتح الباب واسعاً أمام التجديد العلمي الراشد.
بكلام آخر إن الاختلاف والتباين يظل موجوداً طالما استند العلماء على نسق علمي بشري أو على مجموعة منها وهي العاجزة بطبيعة مصدرها أي العقل أو التجربة عن بلوغ غاية العلم وسموه كما هو في حين إن الانطلاق من العلم المنزل أي من النسق النظري الإلهي المحيط والخالد لهو الأساس لتجاوز مشكلات الأنساق البشرية واستيعابها أي تجاوز الاعتقاد ومعيار تصديق النظريات ونحو ذلك ومن ثم فإن دور العلماء يبدأ من إعادة تجديد فقههم لأشياء العالم من داخل النسق القرآني لا من خارجه.إن كون الوحي القرآني دلالة علمية معناه إن العلم والنظريات والحقائق العلمية الواردة فيه تكون نموذجاً متماسكاً فهناك ارتباط ووحده عضوية بين التصورات والمفاهيم الداخلة في إطاره كنموذج هذا من جانب ومن جانب آخر فان هذا النموذج العلمي هو نموذج خالد ومحايد ومتجدد كما تقدم القول ولا نهائي من حيث القدرة على الدلالة العلمية بالنسبة لقارئة والتي تمده بالهداية والرشد المطلوبين للمنهج العلمي. ومن ثم فان المحاولات الضخمة في تأويله وامتلاك دلالته النهائية تظل رحلة هائلة نحو الاقتراب من الحقيقة الحقيقية التي نزل بها ولأجلها الوحي القرآني، يقول تعالى: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)(الإسراء 105). ويقول: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)(الفرقان 33)، وهو الأمر الذي لا يجعل العلماء ينتقلون إلى نموذج علمي آخر وإنما إلى تجديد وإعادة تجديد فقههم لدلالته غير المتناهية يقول تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(لقمان 27)، وبالتالي فان العلماء يجددون في مجموعة الفروض والنظريات العلمية التي يستخرجونها منه بالقدر الذي يواجهون به مشكلاتهم العلمية محل الدراسة ليبتدئ عندهم رحلة البحث العلمي بواسطة التجربة والتصديق وسائر خطوات المنهج العلمي كما تم تقريرها من قبل، وهكذا فان جملة النظريات والفروض العلمية التي تؤول منه تؤثر تأثيراً مباشراً على غاية ومغزى المنهج العلمي أي غاية الحصول على تفسير أقرب واقتراب أدق من الحقيقة المطلقة الكلية وبالتالي فإن ما يتم تجديده ومراجعته هو جملة المفاهيم والتصورات التي يتم بناءها من قبل العلماء بمعنى مراجعة المسلمات وأصول الفقه المستخرج وأسانيده من جهة وإلى معرفة وإدراك التغيرات المصاحبة التي تحدثها جملة المفاهيم والتصورات المستخرجة على سائر العلوم الأخرى المرتبطة بالعلم موضوع الدرس في نظرة كلية تنطلق من مبدأ وحدة العلوم وتداخلها.
وهكذا فإن محاولات التجديد العلمي طول التاريخ العلمي حسب المفهوم القرآني هو رحلة خلاقة نحو تحقيق النموذج العلمي القرآني في كل فروعه المتعددة والاندماج بالتالي فيها مشيداً بذلك تصوره الخاص عن جلال الله وعلاقته بالإنسان والعالم ودور الإنسان في هذا العالم بمعنى أن كل حركة تجديد علمي لتحقيق العلم القرآني في أي زمان ومكان هي محاولة مفتوحة ومتصلة ومتجددة ويمكنها إن تكون أفضل وأضخم من جملة من المحاولات السابقة لها وعلى هذا فان العبرة تكون بالنسبة لكل محاولة تجديد تكمن في مدى قدرتها على تحقيق وتحصيل أكثر هداية لدلالات الوحي وبالتالي في مدى قربها من الله تعالى وتستخير العالم الظاهري وهكذا على النحو التالي :
بمعنى إن كل محاولة تجديد علمي تستوفي من الدلالات القرآنية ما يمكنها منه اجتهادها ومثابرتها وعلى هذا فالمحاولات تتفاوت درجاتها في تحقيق مثالات القرآن في حين يظل الباب مفتوحاً لمحاولات تجديد قادمة وليس معنى هذا إن كل تجربة تبدأ بداية صفرية وإنما تبدأ بكل ما في المحاولات التجديدية السابقة.
القيمة المضافة الثالثة،هي اتساق التجديد العلمي عبر الوحي القرآني. انتهينا إلى القول إن جانباً من رشد البحث العلمي إنما يتأتى عندما تؤخذ الافتراضات العلمية المطلوبة وتستقي من الوحي القرآني ومن دلالاته اللامتناهية وفقاً لمنهج تأويلي صحيح الدلالات، وهو الأمر الذي يضمن للافتراضات العلمية الأولية الاتفاق والتوحد وعدم الاختلاف فيما يتعلق بدور أي فرضية وأخرى في إحداث التجديد العلمي الراشد. هذه الميزة للفروض المستقاة من الوحي تنبع من كون الوحي المنزل مصدر الدلالات والافتراضات هو مصدر يتميز برؤية ومنهج وأدوات علمية متسقة وتوحيدية في تناولها لقضايا الإنسان والكون والعالم. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الوحي يقدم إفادات تفسيرية صادقة حول الظواهر محل الدراسة والتجربة مما يعطي الخبرة المؤسسة على إفادات الوحي مصداقية خاصة في عرض الوقائع والتقرب من معرفة حقيقتها وفقاً لمنهج البحث وهى النظرة الإلهية لما يمكن أن تكون عليه الحياة علي الأرض بعد عرض ما هو كائن منها، هذا الامتياز يوحد بين النتائج العلمية لهذه النظرية أو تلك بهذا الافتراض القرآني أو ذاك. قبل وبعد التجديد العلمي بل ويجعل النظريات تؤكد وتعضد بعضها بعضاً وفقاً للمثال الأعلى للصلاح والخير في تجديد علمي شامل يتجه نحو مثله العليا المذكورة دون تناقض أو تناسخ وعلي هذا فإن النظريات العلمية التي تتأسس على الدلالات القرآنية غير المتناهية تظل متآزرة ومتجددة دوماً أكثر فأكثر بما يقرب من الحقيقة الحقيقية للظاهرة الطبيعية ولما وراءها من الغيب المستور دون الإحساس بأن هناك ثمة مشكلة تتعلق بكون إحدى النظريات بعد التجديد العلمي ليست بديلاً للنظرية العلمية قبل التجديد العلمي. وهي المشكلة التي واجهت فلاسفة العلم المعاصرين على النحو التالي: إن النظرية "ل2" بعد التجديد العلمي ليست بديلاً للنظرية "ل1" قبل التجديد العلمي ذلك إن فلاسفة العلم مثل (كون) و (هانسون) و (فيرابند) يرون أن النظرية "ل1" تحدد الخبرة "ك1" وهذه الخبرة مختلفة عن الخبرة التي تحددها النظرية "ل"2 في الخبرة "ك2 "فمثلاً (فيرابند) يقبل الموقف المتغير من الملاحظة ويعتقد في المبدأ الذي يقول: اخترع، استخلص النظريات غير المتسقة مع وجهة النظر السائدة حتى إذا كان لوجه النظر السائدة ما يؤيدها ويجعلها مقبولة بصفة عامة.( )
وهنا يكون الإشكال العلمي وفقاً لنظرة الزوج العقل / الواقع ذلك إن العالم الذي يقبل النظرية "ل1" على اعتبار أن لها بعض الجوانب التي لا تتفق فيها مع الخبرة "ك1" التي ليست متفقة مع قبول العالم للنظرية "ل2"والسبب في هذا أنهما لا يتحدثان عن نفس الخبرة أو عن نفس العالم ولأن كل عالم من العلماء يتحدث فحسب عن خبرته الخاصة. ومن ثم فإن الاعتقادات حول الخبرة وحول العالم ليست إذن اعتقادات جديدة وهنا لا يمكن القول بإن النظرية "ل2" ليست بديلة للنظرية "ل1". وبتعبير آخر يمكن القول بإن النظرية "ل1" ليست بديلاً للنظرية "ل2" لأن النظرية "ل2" تتحدث عن شئ مختلف تماماً هو "ك2" بدلاً من "ل1" التي تتحدث عن الخبرة "ك1" وعند هذه النقطة فإن ما يحدث لا يمثل اعتقادات بديلة لأن العلماء يشاهدون أشياء مختلفة ومن ثم فإن آراءهم الخاصة حول هذه الأشياء ليست آراء بديلة. كذلك الأمر عندما يختبر عالم من العلماء خبرات خاصة لأشياء مختلفة عن خبرات عالم آخر. معنى هذا إن الاعتقادات التي سيعبران عنها سوف تعبر بالضرورة عن أشياء الخبرة وليست بالضرورة اعتقادات بديلة( ).
والواقع أن هذا الإشكال الذي يناقشه هؤلاء يظل صحيحا طالما تأسس العلم على اعتقاد العلماء وتأثر بوجهة النظر السائدة فيما يتعلق بالموقف من النظرية العلمية قبل وبعد التجديد العلمي. وعندنا انه إشكال يكون تجاوزه بالقول بضرورة وجود نية موجهة توجه البحث والمنهج العلمي وتشكل إثارة دائمة للعلماء، وهي النية التي تصبغ العالم بهمومها ومسائلها عند نظره في أي من مشكلات عالم الظواهر لتكون عنده نية أولية تسبق خطوات البحث الثلاث أي التأويل، التجريب والتصديق. بيد أن هذه النية الموجهة والهادية في ذات الوقت ليست مجرد اعتقاد شخصي يخص هذا العالم أو ذاك ولا هي وليدة البيئة المُشكلة له وإنما هي وليدة وصادرة عن الوحي القرآني ذاته كما رأينا من قبل يقول تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)(يونس 101-102). وغيرها من الآيات. والمعني إن مفهوم التوجيه القرآني الموجه للعلماء يستدعي القول بمفهوم ومبدأ الإيمان، الإيمان بمصدر الدلالات. أي الإيمان بالوحي وتصديقه كمصدر للقضايا والمشكلات العلمية ذات الأهمية المطلوبة وهو المبدأ الذي ندرسه لاحقاً.
القيمة المضافة الرابعة: هي قدرة الوحي على تفسير الواقع الظاهري. يطرح معنى الآية في المفهوم القرآني باعتباره الأساس الراشد الذي ينطلق منه العقل في تفسيره للواقع ومن ثم وصفه والتنبؤ بمستقبله وعلى هذا فإن العلم هنا ليس هو من إنشاء العقل كما أنه ليس من انعكاس المادة لصالح وأجب الاستخلاف. ومعنى هذا إن العلم هنا آتٍ من طرف ثالث يخرج على الزوج الفكر والمادة، العقل والواقع وهو العلم الذي يشرح ويفسر الواقعة الخلقية بما هي في حد ذاتها خارج العقل البشري لا كما يتصورها الفلاسفة ولا كما تقررها تجارب العلماء، وبالتالي فهو المصدر المطلوب ليمد العالم والفيلسوف بالنظرة الأكثر قرباً في الحقيقة الأصلية. والمقررة في الوحي الأزلي الخالد المحيط والتي تنكشف بأكملها في اليوم الآخر كما سيرد لاحقاً. أن العقل كما نقرر وحتى يدرك ويحقق في الواقعة الظاهرية فانه يحتاج إلى واسطة نظرية مطلقة ومحايدة متأتية من خالق الظاهرة لتقرب له حقيقتها وتيسرها له. والحق إن عدم الاعتراف بهذه الواسطة النظرية أي بالوحي القرآني كمفسر للظواهر ولعالمها مما يوقع في الكثير من الإشكالات العلمية عندما تنحصر مصادر المعرفة في العقل والطبيعة فقط وهي الإشكالية التي وقع فيها الفلاسفة النظريين قديماً كما وقع فيها فلاسفة العلم حديثاً. فالفيلسوف "كون"( ) مثلاً ينكر إمكانية وجود معطيات ثابتة يولدها العالِم أثناء التجديد العلمي كما أنه يرى إن عالم العلماء محدد بطريقة متصلة بالأفكار السائدة وبالإنجاز والإجماع العلمي وعلى هذا "فكون" يفترض أن الظواهر ذاتها ليست متأثرة بالنظرية وإنما العالِم هو المتأثر، فالواقع يتحد مع النظرية ليكون العالِم وبهذا المعنى –حسب كون– فإنه يمكن القول بأن المعطيات لا بد أن تكون متاحة بطريقة محايدة للعلماء خلال التجديد العلمي.
والحق أن هذا الوضع المعرفي –وحسب النسق الغربي للعلم– يخلق مشكلة متداخلة مع قوله بوجهة نظر التغير الجذري الملاحظ وهي الإشكالية التي يصعب الخروج عليها إلا بتجاوز النظر من خلال النسق ذاته لمسألة العلم والمعرفة، ذلك انه تظهر عدة تساؤلات متعارضة( ) إذ كيف يمكن للتقليد العلمي المعتاد أن يعمل في الواقع ويغير فيه ليشكل بالتالي عالم العلماء؟ وكيف يمكن للنماذج أو النظريات أن تتداخل مع الواقع المألوف لتنتج المعطيات؟ وما طبيعة هذا التداخل؟ وما الذي يحدث عندما تنشأ معطيات جديدة؟ وإذا كانت هذه المواضيع مركبة فهل يكون المركب إذن في المشاهدة ؟ وهكذا. يظل السؤال قائماً ما العلاقة بين الفكر والواقع، والواقع بالفكر وأيهم يؤثر في الآخر ويوجهه؟ وكيف يكون هذا التأثير والتوجيه وما هي درجته؟ ولماذا يؤثر أحدهم على الآخر. وغيرها من الأسئلة؟.
وهي الأسئلة التي انقسمت حيالها المدارس العلمية والفلسفية إلى قسمين الأولى تقول بأولوية الفكر على الواقع والثانية تقول بأولوية الواقع على الفكر دون أن يسلم أياً من الاتجاهين من النقد وبالتالي القول بالتبريرات التي لا تجد سنداً منطقياً. فوقع القائلون بأولوية الواقع في الدور المنطقي الذي يستحيل إثباته بينما وقع الاتجاه الآخر بالقول بالأفكار الفطرية التي تقدم خطأها سابقاً وعندنا إن المشكلة يتم تجاوزها إذا اهتدى العقل بالوحي في نظرته للواقع الظاهري من خلال دلالات الهداية الواردة فيه( ).
بيد أن هذا الاتجاه الذي نتبناه في تبنيها للنسق القرآني كإطار نظري في فهم الظاهرة الواقعية قد يتعرض للنقد الذي مفاده أنه ليس بالضرورة إن كل القضايا العلمية الموجودة في الكون هي قضايا مثارة في الوحي القرآني بمعنى إن العالِم الذي ينطلق من الوحي كسياق نظري إنما تنحصر اهتماماته في التساؤلات والاهتمامات التي يهتم بها الوحي والعكس ليس صحيح، والحق إن الأمر كذلك عندنا فمنهج البحث العلمي الذي نقرره في الانطلاق بفرضيات علمية من الوحي المنزل لهو منهج يهتم ابتداء بمدى أهمية القضايا والبيانات العلمية المطلوب دراستها حتى تقرب أكثر من غيرها من المعطيات والبيانات الأخرى إلى الحقيقة الحقيقية للوجود. وليس معنى هذا أن الدلالات غير المثارة في الوحي قد لا توصل إلى الحقيقة ولكن الدلالات والقضايا المثارة هي الأهم في الاقتراب منها. ذلك أن الفاعلية والدلالة العلمية للوحي القرآني ليست عبارة عن سرد أعمى أو تراكم آلي للحقائق كما في بعض المدارس والاتجاهات العلمية، وإنما الحقائق والعلوم في الوحي القرآني هي حقائق وعلوم انتقائية تمثل الحقائق والعلوم الأكثر أهمية يقول تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا)(الإسراء 85)، ويرجع ذلك في تقديرنا إلى قيمتها الذاتية الأزلية الخالدة من جهة، وإلى أنها دلالات تشكل الأدوات الأكثر فاعلية من الجهة الأخرى، وبالتالي تجعل الوحي القرآني ومن ثم المنطلقين من دلالاته يتحملون مسئولية المخاطر والابتلاءات الراهنة للمعرفة العلمية في العصر الراهن وفي كل عصر قادم، تماماً كما تحملها بالنسبة للعصر الذي نزل فيه أول مرة.
إن الوحي إذن يهتم بمدى أهمية القضايا المثارة على صعيد وظائف العلم أكثر من اهتمامه بعدد الوقائع التي تؤيد هذه النظرية أو تلك وعلى هذا فإننا نعمد إلى البحث عن مغذى وغاية المشكلات العلمية ومدى أهميتها وليس من عدد الوقائع الكونية المؤيدة لنظرية بعينها ومن هنا فإن أهمية النظريات العلمية تأتي من قدرتها على تأليف إجابات تكون حلولاً ذات مغذى للمسائل المثارة وهي الأهمية التي يقررها كون القضية أو التساؤل العلمي مثار في الوحي أم لا؟ وما هو وجه إثارته وما درجة أهميته بالنسبة للتساؤلات الأخرى في الوحي؟ يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) (الشورى 52- 53).
وفي هذا السياق يأتي التوجيه بالاكتفاء بتساؤلات الوحي دون الخروج عليه وهو السياق الذي يقرره قوله تعالى مخاطباً الذين آمنوا في الآية بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) (المائدة 101- 102)، وليس معنى هذا إن النسق القرآني مصدر يعاني من الانغلاق طالما أنه يهدي للتي هي أقوم أي يهدي العلماء مباشرة إلى القضايا التي توصلهم للتي هي أقوم وهل يبحث العلماء إلا عن هذا يقول تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(سبأ 6)، فضلاً على كونه نسقاً لا يخلق عن كثرة الرد ولا تشبع منه العلماء كما تقرر فهو يمد العالِم بدلالات لا متناهية عن حوادث العالم المتناهية ولكن في سياق أهميتها ومغزاها يقول تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)(109) (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(الكهف 109- 110).
ويقول: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)(الأنعام -31) هذا من جانب ومن جانب آخر فإن اعتماد النسق القرآني في تفسير عالم الظواهر يستدعي القول بالنية الموجهة التي تثير العالِم وتصبغ مفاهيمه عند النظر لأي من مشكلات عالم الظواهر وتكون عنده مشكلة أولية يجب بحثها وهي المشكلة التي تسبق خطوات البحث الثلاث وتوجهها أي التأويل والتجريب والتصديق، بيد إن هذه النية الباعثة ليست مجرد اعتقاد شخصي يخص هذا العالِم أو ذاك وإنما هو توجيه صادر من النسق العلمي ذاته كما تقدم القول سوى أن مفهوم التوجيه القرآني بحسب نوع الخطاب الذي يرد فيه مما يستدعى هو كذلك القول بمبدأ الإيمان، الإيمان بمصدر الدلالات والتوجيهات وتصديقه كمصدر للقضايا والحقائق العلمية ذات الأهمية المطلوب بحثها وتجريبها دون غيرها من المشكلات، معنى هذا إن مبدأ الإيمان يعمد إلى جعل الوحي هو المصدر والدلالة العلمية بألف ولام العهد، لا أي نسق آخر وهو الأمر الذي مرده إلى إعجازه أي إلى إعجاز الوحي القرآني كما سبق القول في الباب الثاني.
هذا المفهوم عن الإيمان هو الذي يبرر مدى التلازم بين مفهومي العلم والإيمان فالعلم الحق يكون بالنسق الحق وبالتالي الانطلاق منه وهو التلازم الذي يظهر في كثير من آيات القرآن يقول تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(آل عمران 7). ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(يونس 9- 10). ويقول: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)(الروم 56-57). ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(المجادلة 11)، وعلى هذا فإن قيمة النسق القرآني تتأتى عند الوقوف منه من قبل العلماء موقف الإيمان والتصديق بكل ما جاء وعرض من قضايا ومشكلات معنى هذا أن العلاقة بين العلم والإيمان هي علاقة جدلية فالعلم قد يؤسس الإيمان عند من لا إيمان له كما أنه يرسخ ويزيد إيمان من له إيمان مسبق.
وخاتمة القول في هذه الورقة إن الشلل الذي أصاب المنهج التجريبي مرده يرجع في الأساس إلى غياب الباعث الغائي الذي يدفع بالعلوم التطبيقية، حيث لم تكن هناك بغية لاستخدام العلوم في المجتمع فأخفقت بالتالي مناهج العلوم وأسرفت في التأمل المحض دون صلة بالواقع وأصبحت في مجملها مجرد حلقة من الدراسات الحرة التأملية ولم تكن رؤية لتحويل أوضاع الحياة وتجديدها، هذا فضلاً عن غياب رسالة دينية صحيحة تمد المجتمع المنهج العلمي التجريبي بمثل عليا شاملة وفاضلة عن الحياة يؤسس عليها منهج علمي يرتب العلاقات بين الإنسان والطبيعة والإنسان وأخيه الإنسان وفوق ذلك علاقة الإنسان بجلال الله تعالى. مما سبق يمكن إيجاز الخلاصات التالية عن المعوقات التي أحاطت بالأصول المعرفية للبحث العلمي عند اليونان.
أولاً: أنه لمعرفة النظام المعرفي الذي يعمل به منهج علمي ما فإنه ينبغي معرفة التصور الذي يبني عليه ذلك المنهج نظام العلاقات بين جلال الله تعالى والإنسان والطبيعة وترتبيها وآثارها المتبادلة في بنيته الداخلية الخاصة وفي تجلياته وتبدياته على الواقع. فاليونان ظلت تقول بفكرة العقل الكوني أو القانون الكلي الذي يحكم الظواهر ويتحكم في صيرورتها الدائمة الأبدية فالعقل حسب الفكر اليوناني يستطيع إذا اجتهد في البحث عن نظام الطبيعة وعرف ما فيها من اضطراد وضرورة أمكنه ذلك من معرفتها معرفة صحيحة . ومن هنا كانت المطابقة عندهم بين مفهوم العقل الكلي وبين الطبيعة عند بعضهم أو الانفصال عنها عند البعض الآخر فهناك دائماً مقابلة عند بناء المنهج العلمي بين الإنسان وبين الطبيعة فالذي ينظر إلى الطبيعة عندهم بعين العقل لا يرى فيها إلا العقل الذي هو إدراك الأسباب في الطبيعة. ذلك إن الله بالمعنى التوحيدي لا يشكل عندهم طرفاً ثالثاً مستقلاً عن الطبيعة وعن الإنسان بل هو مرتبط بالعقل الكلي الذي هو نظام الطبيعة يمنعها من الفوضى واللا تمييز فمثال الخير مثلاً عند "أفلاطون" والذي هو أعلى المثل العقلية هو من جنس الطبيعة وليس من خارجها ومستقلاً عنها. وأما إله "أرسطو" وهو المحرك الأول الذي لا يتحرك فما هو إلا مطلب منطقي فرضته عليه نظريته عن قدم المادة وقدم العالم، معنى هذا أنه وفي عموم الفلسفة اليونانية فإن أصل تفسير الطبيعة هو العقل وليس الله بالمعنى التوحيدي، والحق أن الحالة الوثنية التي كانت تعيشها اليونان وضعف أو انعدام الرؤية التوحيدية الدينية عندهم هي التي أقعدت بالمنهج العلمي عندهم عن التجدد والانطلاق والرشد إذ ظنت اليونان أن العقل البشري قادر لوحده على إيجاد جواب شامل لمسألة الوجود والمعرفة ومن هنا جاء منطق "أرسطو" الذي يعصم صاحبه من الخطأ.
ثالثاً: إنه يجب أن نميز بين المفهومين التجريبي والأخلاقي وغيره من أساليب التفكير، فالمناهج التجريبية لم تعد تستثمر فقط في مجالاتها التقليدية، أعني "الظواهر الطبيعية والبيولوجية"، ولا تستعمل فقط في المجالات الإنسانية المستحدثة اعني العلوم الإنسانية، ولكن أيضاً في عديد المجالات الحياتية: حقول الممارسة اليومية، التطبيقات الهندسية، البدائل والأطروحات الأخلاقية والسياسية حتى إن الحديث عن فلسفة تجريبية بات مشروعاً اليوم و رغم نزوع هذا المنهج لإعلان سيادته على أغلب مجالات التفكير والعمل فإنه ما زال يفتقد من حيث نتائجه لليقينية، وتطبيقاته الواقعية تجرنا إلى استخلاص طبيعة الخطأ والاتفاقية التي تؤسسه. ومن هنا فالخاصية المميزة للباحث العلمي القيمي الأصيل هي أن يتساءل حول مدى صحة الإجابات المقبولة والحلول المتوفرة علمياً. لكن النقد لا يكون نقداً إلا إذا كان مؤسساً ومعيارياً. ومن هنا يجب العناية بالمباحث التجريبية، وهي وإن كانت نورنا الأكيد لمعرفة الحقيقة الواقعية فإنها لا تقدر على الإجابة إلا على جزء محدود من التساؤلات الإنسانية في العالم، فالعقل التجريبي يحوي داخله مشروعية حضور المبحث الميتافيزيقي وحضور القيم الأخلاقية والدينية.( )، بوصفها هي التي تحكم على ما يساعد الإنسان على الحياة.
رابعاً: الملاحظ أن هناك ثمة ثنائية خطيرة في إطار المنظومة النظرية اليونانية وهي ثنائية الأنا والآخر وهي الثنائية التي ورثتها من بعد الثقافة الغربية لاسيما التيار الوجودي وهي النزعة التي تجعل من الإنسان معيار كل شيء، الإنسان بالمعنى الفردي المنتمي للحضارة اليونانية أو الغربية لا أي إنسان آخر مشارك في الحضارة الإنسانية ككل. بيد إننا نجد أن الفكر العلمي الوضعي المعاصر قد حاصر وظيفة العلم إما في الإمساك العقلي بأسباب الطبيعة كما عند اليونان أو في السيطرة والتحكم عليها كما عند الغربيين الوضعيين في حين غابت عن مناهجهم أساسيات وظائف العلم ومنهجه مثل معرفة الله تعالى والإيمان بيوم المعاد وسائر القضايا الغيبية الأخرى.
قائمة المصادر والمراجع:
1.القران الكريم .
2.ابن تيمية،تقي الدين أحمد بن تيمية، مجمع الفتاوى، دار الكتب العلمية، بيروت،لبنان،بدون ط ت.
3.جارودي، روجيه جارودي، ما يعد به الإسلام، ترجمة ميشيل واكسيم، دار الوثبة دمشق، ط2 1983م .
4.جاك مونو،المصادفة والضرورة ترجمة عصام المياس،معهد الإنماء العربي.
5.جان فوراستييه،شروط العقل العلمي .
6.عبد القادر، ماهر عبد القادر، فلسفة العلوم المشكلات المعرفية، دار النهضة العربية، بيروت .
7.قلنصوة، صلاح قلنصوة، فلسفة العلم، دار التنوير بيروت، ط2، 1954م .
8.الطبري، أبو محمد جعفر بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، دار الفكر بيروت، بدون ت.
9.كون شارس كون، تركيب الثورات العلمية، ترجمة ماهر عبد القادر،دار النهضة بيروت، 1984م.
10.محمد مجذوب محمد صالح، أصول المنهج العلمي في القران الكريم، معهد إسلام المعرفة،جامعة الجزيرة، السودان، ط1، 2006م.
11.النشار، على سامي النشار،مناهج البحث العلمي عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي ،دار النهضة العربية بيروت بدون ط 1984. ص 318، وما بعدها.
12.هربرت ماركوز ـ الإنسان ذو البعد الواحد ـ راجع مقدمة جورج طرابيشي ـ دار الطليعة ـ بيروت.
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية الآثار الاجتماعية لسياسة التحرير الاقتصادي التطورات التكنولوجية في الذكاء الاصطناعي المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim